INTERNET YAZARLARI

استفتاء تركيا: إذا لم تستطع إسعاد نفسك فعكر مزاج الآخرين

مما لا شك فيه أن العالم بأسره كان ينصت باهتمام لنتائج الاستفتاء، ويراقب تطوراتها بدقة، وبالتأكيد لكل منهم منظاره وزاويته التي يستقبل من خلالها النتائج قلقا.

فالشعب التركي الذي ينتظر لبلاده مزيدا من الازدهار، والتقدم، والاستقرار السياسي، والاقتصادي.

ورؤوس الأموال التي تتجهز منتظرة النتيجة الإيجابية لتدخل للبلاد متمتعة بالاستقرار السياسي والمزايا المغرية.

المظلومون على أرض تركيا، ومن وجدوا فيها الملاذ الآمن، وروح الأخوة.

والعرب المتحسرون على ليلة يدلون بها بتصويت نتائجه غير مسبقة، و تنتابهم مشاعر الغبطة والأمل.

ومن يخشون من أن تبدأ تركيا ببناء نفسها استعدادا للتحكم بثرواتها الطبيعية والبشرية.

ومن يخيفهم أن يرتقي لسدة الحكم حاكم نظيف اليد في بلد مسلم، يعيد حكاية بلاد المسلمين القوية التي أتعبتهم.

ومن سيزعجهم أن تقوم للإسلام المتقدم حضاريا قومة تسحب من تحت أرجلهم البساط، وتضيع عليهم نجاح حصدته خططهم ومؤامراتهم لمئة عام ونيف.

عندما يجتمع العالم الغربي ضد التعديلات الدستورية في تركيا، فيجند لهذا إعلامه، وأقلامه، والملايين، في محاولة بائسة لإثبات أن ها هنا دكتاتورية على شعبها أن يقاوم، فاعلم أن هناك تهديدا لامتيازات ومصالح تلك الدول تدرك هي ملامحه جيدا.

فضلا عن كون الاستفتاء سيجري في بلد مسلم يتذوق فيه المسلمون معاني الديمقراطية التي افتقدوها، فتضيع جهود وأموال سنوات تجاوزت المئة، وأنهم يخشون من أن تثير تلك التجربة شهية بقية الشعوب التي كادت أن تنسى هذه المعاني منذ أن سيطر العالم الغربي على دولهم استعمارا مباشرا، أو عبر حكومات عميلة، ونزاعات حرصت أن تخنق إنسانية شعوبها، وأن تنسيهم كل معنى للحرية عرفوه أو سمعوا عنه، وكان مفتاح السر هو خنق أي بادرة لتطوير أو رفع مستوى تلك البلاد و أهلها، وقتل أو إبعاد كل عقل نبغ، أو قلم يشتهي الحرية نحو بلادهم، ليجد فيها ما يشتهيه وما حرمه في وطنه المظلوم، فيشرع في تمجيدها وكراهية بلاده الأصل، فيكمل مسيرتهم.

وقد أخرجت تلك النتيجة الإيجابية للاستفتاء ما في قلوب مدعي الثقافة تجاه كل ما له نفس إسلامي، وأسالت لعاب أصحاب الأقلام المنظرين فكانت فرصتهم للرفض والانتقاد، بمعنى "خالف تعرف"، يرددون عبارات اليسار والغرب بأنه قد بدأت حقبة الرجل الواحد، وانتهى عهد التنافس والمشاركة و المحاسبة، وبدأ عهد التعينات والتحكم بالقضاء والعزل، وإعلان الطوارئ، وهو ما يتمنونه حقيقة ليثبتوا وجهة نظرهم، ولسان حالهم يقول إن لم تستطع إسعاد نفسك فعكر مزاج الأخرين، وقد تناسوا أن النظام الرئاسي تعمل به دول قوية يتمتع شعبها بالحرية والازدهار مثل فرنسا و الولايات المتحدة، وأن الأنظمة البرلمانية هي ما يحرص كل مستعمر على غرسه في البلاد التي يخرج منها ليضمن لنفسه حكومات ضعيفة، وأيد تفتت كل تقدم أو قوة تلوح في أفق البلاد المستعمَرة.

تحجج هؤلاء أيضا بالفوز الضيئل بنسبة الـ 51%، ناسين أو متناسين أن هذه النسبة هي ذاتها التي أخرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأنها نسبة متعارف عليها في كل الصناديق الحرة التي تسبقها حملات دعاية نزيهة، وأن الكلمة كانت للشعب بامتياز، ولعلهم يقصدون نسبة الـ 99% التي اعتدنا عليها في بلادنا.

قالوا أيضا أن "نسبة التصويت في المدن الكبرى سلبية"، وحجتهم التي علمهم إياها أسيادهم من العلمانيين أن مؤيدي تلك الحكومة من البسطاء، وأن النخبة المثقفة في المدن الكبرى رافضة ، متجاهلين أن الغرب عادة ما ينجح في زرع قمامته الفكرية في المدن الكبرى والحديثة فيجدها أرضا خصبة غير حصينة كما هو حال المدن الأصغر، و التي عادة ما تعرف للوطن والدين قيمته ومكانته، كما حصل في الماضي عندما استطاع تجنيد الشباب الذين يدرسون في الخارج والمنبهرين بحضارته الزائفة والمبنية على ثروات الشعوب المنهوبة، موحيا لهم أن الحرية تكمن في هدم الخلافة فصدقوا وكانوا جنده و سيفه في ظهر أمتهم، والمرجح أنه لو كانت النتيجة بـ "لا"، لكانوا هللوا متناسين تلك النسبة حينها.

فريق أخر بدأ بالاستهزاء بالعرب المهتمين بالشأن التركي، والمهللين بنتيجة الاستفتاء، وحكم الصناديق الحرة، تجرهم إلى هذا أمراض متجذرة تجعل من السخرية أسلوبا سهلا لثني الأخرين عن أفعال لا يستطيعونها هم بأنفسهم، لكبر أو لأنهم لا يستطيعون أن يقفوا بين الجموع دون أن تسلط عليهم أضواء الثناء، فكان لا بد من سيف السخرية ممن فرحوا للشعب التركي، متناسين أيضا أننا أمة واحدة وأنهم الإخوة، يصرون بغبائهم على تقديس حدود رسمها الغرب الطامع في العالم كله لا في بلادنا فقط، ورغم ادعاءاتهم الثورية والثقافية يريدوننا أن نلتزم بكل أدب بما قرره لنا المستعمر من أننا شعوب مختلفة.

والأعجب كم التنظير والتحليل، والتدخل في قرارات شعب ارتضاها هو لنفسه، ولو أن ما حصل كان في بلد من بلاد الغرب لتداعت ذات الحروف تمجيدا ومديحا.

تابعنا البارحة مراحل الاستفتاء والنتائج بقلق المحب، والمتأمل خيرا لأمة دفنت عندما دفنت وحدتها، وفرحنا لفرح إخوة نصرونا يوم أن خذلنا عالم الغرب والعرب معا، وسنفرح لكل ما يعلي من شأن بلد مسلم، ولن تكون تركيا بلاد الأخرين يوما، بل سيكون من دواعي الفخر لنا أن نكون هنا في مراحل عظيمة من تاريخها، وفي مراكب الفاتحين.



+

خبر عاجل

#title#