شكّلت المجزرة الكيميائية التي جرت في مدينة إدلب من أهم الأحداث الهامة للحرب السورية. أدّت المجزرة الكيميائية الوحشية التي استهدفت الأطفال الأبرياء إلى إضافة مأساة أخرى لقائمة المآسي التي عاشتها سوريا طيلة الحرب من موت مئات الأبرياء ودمار مدنها وتجزئتها...إلخ

فلا يوجد أي حدود شرعية لدى نظام الأسد أو نظام الشام. ولا يوجد له أي حدود أخلاقية أو حتى أي جهة يمكن تقبلها أو الموافقة عليها... وخاصة بعد هذه المجزرة الأخيرة لا يمكننا البحث عن أي حجة لهذا النظام. وعلى هذا النظام أن يُحاسب ويجب فصله حالًا قبل أن يحرق سوريا كلها ويقضي عليها.

وبالطبع العملية الأخيرة التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وهي توجيه طيران حربي إلى سوريا بعد مجزرة إدلب مباشرة لا تعني استهدافها للقواعد العسكرية للأسد ولا تُفسر عن رغبتها بالقضاء على الأسد ولا تعني حل الأزمة السورية من جذورها.

إن كان هدفهم الخريطة الجديدة وليس إسقاط الأسد فهذا سيدل على مجيء مستقبل خطير

على كل من تحرك بناء على حركة جوية واحدة وظن بأن "الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم بحل هذه المسألة" أن يكون حذرًا. فالذين قالوا قبل أسبوع تمامًا أن "وجود الأسد لا يشكل لدينا أي إزعاج" يقومون اليوم بالاعتداءات الجوية. وعلى كل من يظن أن هذه الاعتداءات الجوية هي رد على المجزرة الكيميائية أن يكون حذرًا. لكن لماذا؟

1- لم تتضح معالم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه سوريا بعد. ولا أحد يعلم ما هو الأسلوب التي ستستعمله أمريكا في تنظيف الأنقاض الذي تركته قيادة أوباما. فلا أحد يعلم أي شيء عن نمط إدارة ترامب وأولويات هذه الإدارة. ولا أحد يعلم ما إن كانت المسألة لديهم في الأسد أو في سوريا أو هناك حسابات أخرى عدا عن الأسد وسوريا.

2- إن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتنظيم حركة عسكرية شاملة تجاه سوريا، أو حتى قيامها بعمليات هادفة إلى إسقاط السلطة الشامية ستشكل أضرارًا ضخمة تجاه دولة تركيا. وعلينا أن نفكر في هذه المسألة جيدًا. فإن كان الهدف هو إسقاط نظام الأسد وتوحيد سوريا وتشكيل السلطة بناء على الرغبة الشعبية المشتركة، فهذا الهدف يستحق الدعم من كافة الجهات. أما إن كان هدف تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا هو تجزئة سوريا وتشكيل خريطة جديدة، فمعنى ذلك أنه علينا أن ننسى احتمال الحل لأن هذا الهدف يعني توسع نطاق الحرب.

ماذا لو كذبوا مرة أخرى؟

3- من الممكن أن تتحرك دولة تركيا مع أمريكا. ولديها رغبة بذلك. لكن كيف؟ منظمة غولن الإرهابية لا تزال هناك وأمريكا لا تزال تتحرك مع تنظيمي الـ بي كا كا والـ بي يي دي. وهل يضمن التحرك المشترك بين الدولتين حل المسألة؟ لا أحد يعلم بعد.

4- ماذا لو أصرّت السلطة الأمريكية العمل مع تنظيمي الـ بي كا كا والـ بي يي دي كما قامت في المخططات الخاصة بالرقة؟ أمريكا التي كذبت ألف مرة حول موضوع منبج، وحاولت أن تلهي دولة تركيا لتحمي تنظيم الـ بي يي دي، وحاولت أن تنشئ قناة سوريا الشمالية عن طريق تنظيم الـ بي يي دي بهدف محاصرة دولة تركيا، ما هو الضمان الذي يمكن أن تقدمه لدولة تركيا بعد الآن؟

5- كيف يمكن أن نثق بكلام الذين قاموا بإلهاء دولة تركيا منذ بداية حرب سوريا إلى اليوم وتركوها تواجه تنظيمي داعش والـ بي كا كا لوحدها؟ وهناك احتمال كبير في مواجهة دولة تركيا لخيبة أمل أخرى.

ضرب روسيا في سويا: سترتفع درجة التوتر إلى أقصى الحدود..

6- لم يتضح بعد ما إن كان هناك هدف من قبل أمريكا حول إسقاط نظام الأسد. فمسألة ضرب القاعدة الجوية هي حالة فريدة. ولا أحد يعلم ما إن ستتبعها عمليات أخرى. لكن هذا الاعتداء هو مؤشر إلى عودة أمريكا لسوريا بعد أوباما. لأن روسيا التي ملأت الفراغ الذي تركه أوباما استلمت حكم سوريا لوحدها. وأمريكا كانت خارج النطاق في فترة بيان أستانا وفي الاتفاقية الثلاثية لوقف إطلاق النار. لذلك يمكن لنا أن نقول أن هذا الاعتداء هو إشارة لعودة أمريكا. وهذا يعني أن سوريا ستكون بعد الآن ساحة اللعب للاعبين الماهرين.

7- وانطلاقًا من ذلك، قامت القوات المحلية الأمريكية بنقل ساحة حربها مع روسيا إلى سوريا والذي بدأ في شرق أوربا والبلطيق. وهذا يعني استمرار تلك الحرف في سوريا. هذا الوضع الجديد يؤشر إلى فترة خطيرة قادمة.

قد نواجه أزمة أكبر بكثير من أزمة إسقاط الطائرة..

8- هذا الخطر هو في سوريا. والخطر هو في استهداف روسيا. سيضيق مجال تحرك روسيا، وسيُحقّق معها حول مجال سيطرتها على سوريا. وستزداد درجة التوتر لروسيا وإيران مع الغرب.

9- اتفاقية وقف إطلاق النار واستانا تواجه خطرًا. ومن المحتمل أنها ستُخرّب من قبل أمريكا و حلفائها. هذه الحالة ستؤدي حدوث أزمة بين تركيا وروسيا. وملاءمة تركيا لأمريكا في كل تحركاتها ستولد أزمة مع روسيا تفوق أزمة الطائرة. لأنه في هذه المرة الهدف هو روسيا مباشرة. والقضية تكمن في إبعاد روسيا من البحر الأبيض المتوسط.

الجيش الأمريكي تدخل بكل شيء

10- يبدو أن بنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) قد سيطرا على السياسة الخارجية الأمريكية وعلاقاتها الدولية. ونظرة ترامب إلى العالم هي من هذه الزاوية أيضًا. حتى لو أنهم يظهرون وجود صراعات فيما بينهما، لكن سياسة ترامب قريبة من سياستهم. فهو أيضًا ينظر إلى العالم من منظور الاستراتيجية الأمنية. وهذا ما يؤدي إلى حرية بنتاغون في التصرف. و كون الجيش الأمريكي المحدد في الإدارة الداخلية والدولية وعدم أخذه المجال المدني بحسبانه، يؤكد لنا بداية عصر نظام الوصاية العسكري. وأكثر دولة ستتأثر من هذه المبادرة ستكون دولة روسيا.

11- اعتداء أمريكا الذي اعتمد على الرد للمجزرة الكيميائية، يدلّ على محاصرة أمريكا لروسيا. وإن لم تكتف أمريكا وحلفاءها بهذه العملية واستمرت باعتداءات شاملة ومدمرة يعني ذلك أن الأمور فقدت سيطرتها وفاقت القضية السورية.

على تركيا أن تحدد أولوياتها من جديد

12- ماذا يمكن لتركيا أن تفعل؟ عليها توخي الحذر قبل كل شيء. بالنسبة إلى سلطة أنقرة ذهاب الأسد هو الأولوية. وهي لا تتفق في هذه النقطة مع إيران وروسيا. لكن ذهاب الأسد لن يؤدي إلى حل الأزمات كلها. المهم هو كيفية ذهابه ونوع التحالف الذي سيُقبِل على إسقاطه. كما أن القضية لم تعد قضية "الأسد" فحسب. سوريا هي ساحة الحسابات الدولية. وهناك جزء من هذه المحاسبة تستهدف دولة تركيا. قريبًا سيتوسع نطاق التوتر بين روسيا وإيران مع الغرب إلى خارج سوريا. إذًا علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا لأنه لدينا أولويات "أهم بكثير من ذهاب الأسد".

13- لا شك أن مؤيدي تنظيم الـ بي يي دي في تركيا سينصحوننا بالتحرك مع "أمريكا". وسيحاولون أن ننسى كافة المخاوف. لأن التدخل بالنسبة إليهم هو القناة الممتدة من حدود إيران إلى البحر الأبيض المتوسط. لذلك علينا أخذ الحذر الشديد من تحركات عناصر تنظيم الـ بي يي دي السريين في تركيا. فالفراغ الذي تركه تنظيم غولن ملأه هذه الأفواه المترتبطة بهم ووسّع مجال تحرك القوات الأخرى. وإن كان هناك مؤامرة جديدة يُرسم لها وستُلزم تركيا على شيء ما، فحتمًا أن تلك التنظيم سيكون "شريكهم" في تلك المؤامرة.

أمس كانوا يقتلون الأطفال بأنفسهم!

14- لقد قمت بترتيب كافة الاحتمالات. بالطبع على الأسد أن يرحل. لكن بالنسبة إلى تركيا هناك حساب آخر أشمل و أولى من "ذهاب الأسد". لا أحد يظن بأن هذه العملية للولايات المتحدة الأمريكية كانت بهدف الانتقام للأطفال الذين قُتلوا في المجزرة الكيميائية. هذه الولايات المتحدة هي نفسها التي أعطت الاستقلالية التامة لبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وقامت بتفجير المدارس والمشافي والحضانات خلال الشهر الأخير. حيث شكّل الأطفال أغلب الضحايا من مئات المدنيين الذين قُتلوا.

لا شك بأنه سيكون هناك حملات مشابهة لهذا الاعتداء. لذلك علينا مناقشة هذه الحقائق بجميع أبعادها كي لا نقع في الفخ مرة أخرى.

+

خبر عاجل

#title#