انقلابات الجيل الجديد.. تونس والإمارات - ياسين اكتاي

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

انقلابات الجيل الجديد.. تونس والإمارات

حينما يتم ذكر الانقلاب في تركيا فإن النموذج المحفور في الأذهان هو انقلاب الـ27 من مايو/أيار 1960، حيث كان رأس الانقلابات العسكرية من بعده. كان السياسيون يدفعون الثمن حينما لا يفهمون تهديدات العسكر التي كانت على شكل إيماءات أو إشارات صريحة أحيانًا قبيل كل انقلاب، حينما تقوم الطغمة العسكرية بالسيطرة على مفاصل الحكم بالدبابة واستعراض القوة. وفي الأصل حينما كانت خارطة الطريق تقود نحو الانقلابات السابقة سواء 12 مارس، أو 12 سبتمبر، أو 28 فبراير؛ كانت تهديدات الطغمة العسكرية كإشارات عبر وسائل الإعلام وما شابه، على شكل رسائل تسعى كما تزعم إلى "تصحيح مسار الديمقراطية".

إلا أن أصحاب الانقلابات العسكرية منذ العام 2007 دخلوا بمرحلة تجديد ذاتية، وقد أدركوا أن انقلاباتهم العسكرية لم تعد تجدي نفعًا، ليبدؤوا التفكير بطرق أخرى للقضاء على الحكومات المنتخبة الشرعية. والآن يبدو أننا أمام طراز جديد من محاولات الانقلاب، ولدي الكثير من الأمثلة على ذلك:

أحداث "غازي بارك" (في ديسمبر 2013) والتي اقتربت على مرور ذكراها السابعة، كانت بماهيتها عبارة عن حملة جديدة لمحاولة انقلاب مختلفة للغاية ومن نوع آخر. كانت مسألة شرحها للناس صعبة للغاية في تلك الأيام، سواء للديمقراطيين، أو المعارضين للسلطة الاستبدادية، وحتى لليساريين-الاشتراكيين، أو المسلم المعارض للرأسمالية.

كانت أحداث غازي بارك بالنسبة لهؤلاء حقًّا من حقوق الاحتجاج الديمقراطي في أسوأ الأحوال، أو شيئًا شبيهًا بالثورة في أحسنها. الاشتراك بحق الاحتجاج الديمقراطي كالاشتراك في الانقلاب، ولطالما الانقلابات تتمظهر بالديمقراطية. أو الاشتراك بثورة اشتراكية كالاشتراك بهدم تيار وحيد يقف بجانب المظلومين والمستضعفين يقاوم ضد الرأسمالية الدولية، ولطالما الانقلابات كانت تأتي من "اليسار". أو كالرأسماليين المستعمرين الطامعين الذين نهبوا الدنيا وحولوها إلى خراب بعد أن يطغوا على كل شيء بكلماتهم وخطاباتهم البراقة يفتحون أعينهم الزائغة نحو ليحاربوا الكيان السياسي الوحيد في هذا العالم الذي يقف إلى جانب المظلومين.

نفس أيام "غازي بارك" كانت حركة "تمرد" يتم طبخها في مصر لإغلاق الباب الذي فتح المحاولات في الشرق الأوسط لتأسيس وإنجاب حكومات تعتمد على الشعوب بعد 100 عام من العبودية، وكأن حالة التمرد هذه شبيهة للغاية بأحدث غازي بارك. حيث الخطابات والتكتيكات والتعليقات الدولية هي نفسها في كلا المثالين. وكواحد تابع الحدثين في تلك الفترة، لا زلت أشعر حتى الآن بالدهشة من مستوى التشابه فيما بنيهما. في ذلك الوقت حينما كنا نسأل فيما لو يكون هناك طريق من غازي بارك إلى"حربية"، كان اليساريون يصفوننا بالمتآمرين، وهم يغضون بصرهم عما أنتجته وأفرزته حركة تمرد في مصر.

رأينا كيف لعبت عقلية منظمة غولن الإرهابية في اليساريين وجميع التيارات وأولئك الذين يبنون أحلامًا ضد الرأسمالية بصورة إسلامية. بالطبع ليس هذا ميزة تُعزى لمنظمة غولن الإرهابية، بل كان توافقًا أو حلفًا بينها وبين الرأسماليين الذين يعرّفون أنفسهم "باللصوص" ويأتون في المقدمة.

لا شك أن أحداث 17-25 ديسمبر (2013) كانت أخطر أشكال نماذج الانقلابات الحديثة. حيث لا يمكن لأي سلطة في العالم أن تقف في وجه انقلاب يختبئ داخل تنظيم احتل السلطة القضائية وراح يتهم الحكومة بالفساد. هناك العديد من السلطات حول العالم لم يتمكنوا من الوقوف في وجه انقلابات من هذا النوع ينظمها القضاء، الذي يركبه أناس يظهرون أنفسهم أنهم السلطة الشرعية في البلاد.

أليسوا يقولون "الأشقياء لا يمكنهم حكم العالم"، تبدو كلماتهم معسولة للغاية وهي كذلك. وحينما نتحدث عن "القضاء" فإن الذي نتحدث عنه ليس حقوقًا ولا عدالة، بل كان عبارة عن سلطة وقوة.

بالنسبة لي أرى أن المهارة السياسية التي عززت قيادة أردوغان لم تظهر بأجلى صورها في محاولة انقلاب 15 تموز/يوليو، بل بأحداث "17-25” ديسمبر، أي تلك الأحداث التي كان شيطان الانقلاب فيها قد لبس ثوب القضاء وسلطته. أما محاولة انقلاب 15 تموز في الواقع فإنها كانت النموذج الأسوأ للانقلابات التقليدية، والملجأ الأخير لمنظمة غولن الإرهابية ضد قيادة أردوغان، بعد أن عجزت المنظمة وفشلت في جميع محاولات انقلاباتها السابقة.

ينصب التفكير الانقلابي الآن على تجديد نفسه وإعادة أطروحاته لكن بطريقة أكثر فعالية من ذي قبل. واليوم يمكننا القول بأريحية، أن هذه العقلية لا يوجد لها فرص أو فراغ سياسي في تركيا، ولكن مع ذلك هذا لا يعني أن تلك العقلية انتهت أحلامها وخيالاتها.

كما تلاحظون فإن الإمارات بعد الانقلاب الذي نفذته في مصر، حاولت تكرار الشيء ذاته في قطر، ثم في اليمن ومن ثم ليبيا.

وفي اللحظة التي كانت محاولات انقلابها تتم وتنجح فيك كل من قطر وليبيا، جاءت تركيا لتقف مانعًا دون ذلك وتقضي على هوسها في تحقيق تلك الانقلابات. والآن يبدو أنها تبحث عما يسد جشعها في ساحات تونس محاولة القيام بانقلاب من هذا النوع.

بالطبع وكما نعلم لا يوجد جيش في تونس قابل للبيع ليكون أداة لتنفيذ طموحات انقلابها. ولذلك السبب تجدهم يحاولون تطوير محاولة انقلاب جديدة من نوع آخر، يكون خاصًا لتونس ولا يمكن تطبيقه إلا في تونس. لكن مع نفس الهدف والطراز: الاستفادة من الثغرات السياسية، والوصول للنتيجة عبر الإعلام والكيانات والبرلمان المجزّأ.

بالنسبة للوضع في تركيا، أعتقد أنه لا داعي للتذكير بأن الإمارات هي مع أي محاولة انقلابية يمكن أن تكون في تركيا.

في الواقع لقد سقط الآن القناع بأكمله، وتعرّت الإمارات وظهرت سوءاتها، وألاعيبها التي تحاول تمريرها في المنقطة، وفتنها التي تحاول زرعها هنا وهناك.

وبعد الآن لا يسع الإمارات سوى البحث عما تستر به نفسها بعد سقوط قناعها وظهور سوأتها.

+

خبر عاجل

#title#