محاولة انتحار الاقتصاد السعودي - زكريا كورشون

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

تعالت من الرياض أولًا أصوات معترضة، ثم سرعان ما ماجت مواقع التواصل الاجتماعي وأطلقت حملة لمقاطعة المنتجات التركية، فحدثت حالة من التردد وانقسمت الآراء على تلك المواقع وبدأت المقارنات بين المنتجات التركية المستوردة في السعودية والمنتجات المحلية السعودية وسائر المنتجات الأخرى. كما أنتج الكتاب ورسامو الكاريكاتير وغيرهم العديد من الأقوال المأثورة، كما صدرت التعليمات الخفية إلى مصالح الجمارك بعيدًا عن الجهات الرسمية لتبطئ حركة دخول المنتجات التركية المستوردة إلى الأسواق.

في الواقع لم يهتم الشعب السعودي وجميع الشعوب الخليجية الأخرى اهتمامًا كبيرًا بدعوات مقاطعة المنتجات التركية لمعرفتهم بجودتها ومناسبة أسعارها، بل إن هناك من تجرأ وأعلن عن معارضته لهذه الدعوات وعن دعمه للمنتجات التركية. وقد نشر هؤلاء العديد من المواد الساخرة من شركة جبل علي التي تعتبر أكبر منتج للمنتجات الحيوانية في السعودية. وباختصار، لقد فشلت خطوتهم الأولى لمقاطعة المنتجات التركية.

لكن سرعان ما أطلقوا حملة جديدة انتشرت خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال العديد من الحسابات التي تدعو لـ"مقاطعة المنتجات التركية" و"المقاطعة الشعبية لمنتجات تركيا" لتبدأ حرب هاشتاغات جديدة.

ولقد بدأت بعض سلاسل السوبرماركت التي واصلت بيع المنتجات التركية في بادئ الأمر إصدار تصريحات متتالية أمام هذا الضغط السياسي الذي جاء باديًا في صورة دعوات اجتماعية، فأعلنوا أنهم لن يستوردوا المنتجات من تركيا ولن يبيعوها في متاجرهم للتضامن مع حملة المقاطعة التي أطلقها الشعب السعودي، قالوا إنهم إنما فعلوا ذلك ردًا على السياسة التي تنتهجها الحكومة التركية ضد بلدهم وإن "قادتهم" خط أحمر لا يمكن تخطيه. ولا يخفى على أحد أن جميع هذه الشركات شاركت في حملة المقاطعة رضوخًا للضغوط الممارسة ضدها، فأصبحت تذكر في إعلاناتها أنها "لن تشتري منتجات من تركيا" وأنها "بدأت عمليات الجرد في مستودعاتها للتخلص من تلك المنتجات في أقرب فرصة"، كما أفادت بخبث بأنها بدأت تبحث عن أسواق بديلة لاستيراد السلع.

أي أنهم في الوقت الذين يدعمون في حملة المقاطعة علانية فكأنهم يقولون "المنتجات التركية ستفسد بين يدي مستورديها، فهيا تخلصوا منها سريعًا". وقد نشرت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لسلسلة سوبرماركت تنم عن تكتيك تسويقي احترافي، إذ نشروا لافتات في أبرز الأماكن الظاهرة في متاجرهم على المنتجات التي ملأوها بها وقد كتب عليها بالإنجليزية "إياكم والمنتجات التركية" ليضمنوا أن النظام وأصحاب هذه الحملة السخيفة لن يلحقوا بهم الأذى، ومن ناحية أخرى كانوا يهدفون بشكل غير مباشر للترويج للمنتجات التي يبيعونها.

لا شك أن هذه الحملة التي بدأت في السعودية لاقت الترحيب والدعم كذلك في الإمارات والبحرين والكويت؛ إذ أعلنت بعض الحسابات صاحبة الأعداد الكبيرة من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي عن دعمها لحملة المقاطعة التي أطلقتها السعودية. بل إنهم يقولون إنهم لا يفهمون أبدا من ينشئون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لترددهم بشأن حملة المقاطعة بل ولدعمهم للمنتجات التركية، ليوجهوا لهم أصابع الاتهام.

ولعل السؤال الذي يلح علينا هنا هو: ما الأذى الذي تلحقه تركيا بالسعودية؟ وما سبب رغبة البعض في فرض حملة مقاطعة تجارية وسياحية على تركيا بلا مبرر؟

لا ريب أن الشعب السعودي ليس هو الجهة الذي أطلقت هذه الحملة المستعرة. فالعالم كله يعلم أن الشعوب العربية ليست لديها أي مشكلة مع تركيا، لكنهم يطيعون بلا رغبة منهم أنظمتهم وقاداتهم الذين يخيفوهم. كما أنهم يعلمون هم كذلك أن حملة المقاطعة هذه تأتي مباشرة عقب الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الصحافي المعارض جمال خاشقجي بغية تغيير أجندة الأحداث. لكن ثمة شيء لا يعلمونه، ألا وهو أن أنظمة دولهم حديثة العهد بالتاريخ تناصب العداء لتركيا بشتى الطرق في سبيل تطبيع العلاقات مع إسرائيل لضمان مستقبلها الشخصي، فيظن قادة تلك الدول أنهم كلما زادوا من جرعة معادات تركيا المسلمة ورفعوا مستوى صداقتهم لإسرائيل فإن حكمهم وملكهم سيكون في أمان.

انظروا للمقارنة المعقودة، ففي الوقت الذي تقول فيه حسابات بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي يصل عدد متابعيها للملايين إن حجم التجارة البينية بين تركيا وإسرائيل يتخطى حجمها بين تركيا والسعودية، فإنها تدعي أن مقاطعة منتجات تركيا المسلمة لا يتضمن أي مشكلة دينية أو أخلاقية.

إن حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية بالنسبة لميزان التجارة الخارجية لتركيا كإبرة في كومة قش، لذا مهما كانت نظرتهم للأمور، فإن حملة المقاطعة هذه لا تضر بتركيا بل إنها ضربة جديدة للاقتصاد السعودي الذي يعاني أصلًا، كما إنها تمثل تهديدًا كبيرًا لدولة يعتمد 70-80% من استهلاكها على البضائع المستوردة. لذا عليهم ألا ينخدعوا بالأرقام.

وفي رأيي فإنهم يستطيعون تطبيع علاقتهم مع إسرائيل لو وفوا بالشروط التي تحدثت عنها قبل شهرين في مقالي هنا، ولو أنه اتضح خلال شهرين أنهم عاجزون عن ذلك. بل يمكنهم البدء بالتصنيع المحلي ليتخلصوا من احتياجهم للعالم وليس تركيا فقط، ومن جانبها تستطيع تركيا ملء الفراغ الذي سيخلفونه بطريقتها، كما أنها ستكون سعيدة بتمكن السعودية من الوقوف على قدميها في هذا المجال.

لكني دعوني أخبركم بأن الأمور تسير على نحو سيئ؛ إذ إنهم فضحوا بعدما عرضوا للتداول شركة عملاقة هي الأكبر في العالم ألا وهي شركة أرامكو، كما أنهم سيشقون بما تبقى لديهم من رأس مال. فعندما يسمحون لأن تدخل بلادهم منتجات متدنية الجودة بلا حسيب ولا رقيب فإنهم سيضرون بشعبهم كما سيواجهون كوارث بيئية كبيرة في القريب العاجل، كما سيغلق العديد من المتاجر ويسرح آلاف العاملون. أضف إلى ذلك أن هذه السياسة مناقضة لرؤية 2030 التي تدعي أنها ستطور القطاع الخاص.

إن حملة المقاطعة ضد المنتجات التركية لا تعتبر تهديدًا بالنسبة لتركيا بل إنها محاولة انتحار مباشرة للسعودية ولن يتحملها المجتمع السعودي ولا قاداته الذين يعتبرونهم خطًا أحمر. وهو ما علينا أن نقوله.

+

خبر عاجل

#title#