كيف تؤجج حرب ماكرون على الإسلام نيران الكراهية؟ - محمد آجات

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

كيف تؤجج حرب ماكرون على الإسلام نيران الكراهية؟

أقدم أمس الأول مهاجم في مدينة نيس الفرنسية الساحلية على قتل ثلاثة أشخاص بالسكين بالقرب من كنيسة نوتر دام. ولا شك أن هذا الهجوم الغاشم أرعب بشكل أكبر السكان المسلمين الذين يشكلون ما نسبته 10% من إجمالي سكان فرنسا، ولهذا سببان:

أولهما أنهم يتساءلون كيف يمكن لشخص أقدم على جريمة بشعة كهذه أن يكون مسلما في حين أنهم يؤمنون بدين يقول كتابه المقدس "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"، وثانيهما أنهم يعلمون جيدا أنهم سيتعرضون لمزيد من خطابات وأفعال الكراهية أكثر من أي وقت مضى في حين أنهم لا يتحملون أي ذنب عما حدث.

ولم يتوقع أحد – في الحقيقة – أن يخرج علينا الرئيس الفرنسي ماكرون مخاطبا المسلمين من مواطني دولته والذين يشكلون معظم هؤلاء العشرة بالمائة من سكان فرنسا من المسلمين ليقول "لا تتحملون مسؤولية عما حدث، فلا تقلقوا"، بل على العكس من ذلك، فقد رأيناه يستخدم مصطلح "الإرهاب الإسلامي" في تصريحاته في موقع الحادث في نيس. وكان مما قال "يواجه شعبنا بمواطنيه من الكاثوليك هجوما إسلاميا، فقد تعرضت دولتنا لهجوم إسلامي. ولقد وظفنا 7 آلاف رجل أمن لنشر الأمن".

وكانت زعيمة التيار اليميني العنصري في فرنسا مارين لوبان قد استخدمت عبارات مشابهة لم تختلف عن تصريحات ماكرون باستثناء بعض الفروق الدقيقة، إذ قالت "الإسلاموية أيديولوجية أعلنت الحرب علينا. لذا يجب القضاء على كل الجمعيات والتيارات والرجال والنساء اللواتي يدعمن هذه الأيدولوجية وينشرنها".

وكما نرى فإن إطلاق التصريحات دون التفرقة بين الإسلام والمسلمين وبين الإرهاب وتحميل الإسلام المسؤولية عن كل ما يحدث أصبح فعلا روتينيا بين السياسيين في فرنسا.

وإليكم مثالان على ذلك:

المثال الأول: وصف وزير الخارجي الفرنسي جان إيف لورديان في برنامج حواري على إحدى القنوات المحلية الوطنية الأطعمة الحلال المعروضة في سلاسل المتاجر في مختلف أنحاء البلاد بـ"المطبخ الذي يغذي التيارات العنصرية".

المثال الثاني: انتقدت وزير الصحة الفرنسية السابقة أجنيس بوزين العلامة التجارية المتخصصة في صناعة الملابس الرياضية ديكالتون بعد أن أنتجت غطاء للرأس يناسب ممارسة رياضة الجري قائلا "لم أكن أفضل أن تصنع علامة تجارية فرنسية هكذا منتج".

إن هذه الآراء هي آراء تنسب التهم بشكل قاطع وأكيد حتى بالمسلمين من غير الملتزمين دينيا وليس لهم أدنى علاقة لا بالإرهاب أو العنف والأصولية.

فماذا يمكن أن يكون ذلك إن لم يكن عنصرية؟

كانت المنطقة المحيطة ببرج إيفل بالعاصمة باريس قد شهدت قبل أيام قلائل هجوما على يد سيدتين طعنتا سيدتين أخريين مسلمتين وهما يصيحان في وجههما قائلتين "أيها العرب القذرين!"، أما الحالة الصحية لإحدى هاتين السيدتين المطعونتين فخطيرة. غير أن الدولة والمجتمع في فرنسا نظرا لمرتكبتي هذه الجريمة وكأنهما "عجزتا عن السيطرة على أعصابهما".

وما الذي يمكننا أن نتوقعه وسط مناخ من الهيستيريا الكاملة؟ إنهم لم يعودوا يتحملون حتى أن تنشر دولة مسلمة أو معظم سكانها من المسلمين رسائل تضامنية مع ما يحدث.

ولعلكم تتذكرون عندما نشرت جريدة شارلي إيبدو تلك الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة فتعرض بعض كوادرها للهجوم هرع العالم كله إلى باريس لإظهار التعاطف والتضامن معها. لكن يبدو هذه المرة أن باريس صارت متكبرة وكأنها تقول "لم نعد بحاجة لتضامن أحد". ولله الحمد أنه ما يزال هناك بعض الزعماء، ولو كانوا قليلا، ممكن يخاطبون ماكرون بقولهم "لا تسير في الطريق الصحيح يا سيد ماكرون". ومن هؤلاء نذكر رئيس الوزراء الكندي جستين ترودو الذي علق على هجوم نيس قائلا "إن الإرهابيين الذين نفذوا هذه الهجمات قتلة نفذوا فعلتهم بدم بارد ولا يمثلون الإسلام". وهي الكلمات التي ذكرتني بما قاله رئيس الوزراء البريطاني الأسبق كامرون عقب هجوم مماثل عام 2013 حين قال "سيكون من قبيل الظلم تحميل المسلمين مسؤولية هذا الهجوم في حين أنهم يعيشون في سلام. فالمسلمون هم أكثر من عانوا وتضرروا بسبب الإرهاب. إن أجهزة الشرطة والاستخبارات لدينا تعمل جيدا، وستصمد بريطانيا دائما في مواجهة الإرهاب".

فإذا كنت قادرا على تذكر هذه الكلمات حتى بعد 7 سنين، فلا شك أن مسلمي بريطانيا لم ينسوها إطلاقا. وكان كامرون قد أظهر موقفا مماثلا عقب مقتل مواطن بريطاني قطعت رأسه على يد تنظيم داعش عام 2014 حين خاطب مسلمي بلاده قائلا "إنهم يقتلون الآلاف من الأقليات المسلمة والمسيحية في سوريا والعراق ويدعون أنهم يفعلون ذلك باسم الإسلام. هذا هراء، فالإسلام دين السلام، فهؤلاء ليسوا مسلمين، بل إنهم وحوش".

لكن للأسف فإن أوروبا حرمت مؤخرا من قادة يتمتعون بهذا القدر من الحكمة. فعقب تلك التصريحات الصادرة عن وزراء خارجية دول أوروبا لدعم موقف فرنسا يبدو أن الوضع تغير كثيرا حتى في بريطانيا بعد 7 سنين. فالعنصرية بدأت تأسر حتى الأحزاب الكبرى في أوروبا.

إن موقف ماكرون الحالي يهدد حياة عدد كبير من المواطنين الفرنسيين الذين يتحمل مسؤولية أمنهم بصفته رئيسهم. فوباء الكراهية صار ينتشر بسرعة تضاهي سرعة انتشار وباء الطاعون في أوروبا في العصور الوسطى.

+

خبر عاجل

#title#