هل تراجع ماكرون؟ - زكريا كورشون

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

زعم ماكرون الذي أثار غضب مسلمي فرنسا بالدرجة الأولى ومن ثمّ عموم المسلمين في أنحاء العالم، من خلال الممارسات والتصريحات الاستفزازية التي صاحبت الرسوم المسيئة لنبي الإسلام محمد، أنه فُهم بشكل خاطئ. لقد تابعت تصريحاته على قناة الجزيرة بعناية فائقة. من الطبيعي أن تكون تصريحاته مما يلفت إعجاب المسلمين بالظاهر. حيث زعم أنه ليس ضد الإسلام أو المسلمين، بل ضدّ التطرف الذي يستهدف المسلمين. وإلى جانب ذلك، زعم أن موقفه حيال الرسوم المسيئة لم يكن من قبيل دعمها مقابل إهانة المسلمين؛ بل من أجل حرية التعبير التي تؤمن بها فرنسا.

نعم يمكنني قبول هذا الكلام من أي شخص عادي وليس له سوابق قصور ذهني. لكن حينما يتعلق الأمر بماكرون أجد صعوبة في تصديق ذلك. إنه ممثل اليعقوبية ما بعد الحداثة. إنه سياسي لا تتطابق كلماته مع تصرفاته. وإلى جانب ذلك، فإن هذا الفهم من خلال ادعائه الدفاع عن حرية التعبير بعد الثورة الفرنسية، أفرز اليعقابة الذين امتصوا ما لا يقل عن مليون فرنسي، وقتل ملايين المسلمين لا سيما في إفريقيا تحت راية "حرية التعبير والرأي"، فهل يمكن نسيان جميع ذلك؟

إن فرنسا تستخدم مفاهيمها التي أنتجتها، كوسائل مشروعة ضمن السياسة الميكافيلية، من أجل تحقيق أهدافها الخاصة. والذي يلاحظ اتخاذ ماكرون لنابليون مثالًا له يعي هذا الكلام. إن نابليون لم يتصرف بمروءة حتى خلال غزو مصر، التي كات أرضًا عثمانية طمع في خيراتها وامتيازاتها التجارية، كذب نابليون على الشعب المصري، وقال أنه جاء ليحقق الأمن في مصر باسم العثمانيين، ونشر قراراته وبياناته بالبسملة وكلمة التوحيد.

ما أقوله هنا هو الحقائق التي سجلها التاريخ. إن ماكرون بأي حال لا يمثل الفكر الحر الذي أضفاه الفلاسفة الفرنسيون على الإنسانية، بل يمثل ذلك النوع الاستثنائي المدمّر على خطى نابليون. وبالتالي فإن تفسيره أو تبريره الأخير ليس سوى مجرد خداع بعيد كل البعد عن المصداقية، وهو يتناسب مع سلوكه. لقد دفعت حالة الاضطرابات إزاء مسلمي فرنسا ومن ثمّ مقاطعة المنتجات الفرنسية، إلى إجبار ماكرون على تطوير لغته. ولهذا فإن ما قاله ماكرون لا يعتبر اعترافًا صادقًا من تلقاء نفسه، على العكس، إنه المراوغة والتمسك بالأكاذيب كما كان ولا يزال يفعل دائمًا منذ توليه السلطة. وأكبر كذبة له هي الدفاع عن "حرية التعبير".

ليس من الصواب هنا تحميل المسؤولية على ماكرون فحسب، حيث إنّ وجود حكّام مسلمين لا يمنحون حرية الرأي والتعبير لمواطنيهم الذين يعتنقون الدين ذاته، يعتبر نقطة ضعف أخرى للمسلمين. الحكّام الذين يغتصبون السلطة ويراوغون ويمكرون، هم السبب في سوء فهم الإسلام، وظهور الأفكار الراديكالية وانتشارها.

لا يوجد فلسفة أو أيّ فكر حقيقي حرّ؛ تسمح أو يسمح بإيذاء قيَم شخص آخر، وكذلك الأمر لا يقبل أيّ دين الهجوم على قيَم دين آخر. وإذا حدث غير ذلك، فإنّ هناك خللًا ما يقوم على الشذوذ والانحراف عن الحقيقة. إنه انحراف يفسر كل شيء من وجهة نظره الخاصة، ويعتبر كل شيء مشروعًا من أجل الوصول إلى هدفه الخاص. وفي الواقع هذا النهج هو أحد الخيوط التي تجمع بين ماكرون ومحمد بن سلمان.

بينما كان المسلمون يقومون بإظهار ردة فعلهم ضد نوايا ماكرون وممارساته وخططه، وأحكامه المسبقة على مواطنيه المسلمين، كان على الجانب الآخر محمد بن سلمان ومتابعوه منشغلون بحملة مقاطعة المنتجات التركية. في الواقع لن تنجح حملة مقاطعة المنتجات التركية ولا الفرنسية، نظرًا لعادات الاستهلاك التي تطغى على هذا العالم والتي يشترك فيها جميع الناس تقريبًا. سيكون لها عواقب اقتصادية نعم إلا أنها ستنطفئ بعد فترة. ولا شك أن فرنسا التي تتمتع بتجارة واسعة مع العالم الإسلامي قد تأثرت بهذه المقاطعة، إلا أن التأثير الأكبر في ذلك سيكون نفسيًّا وسنرى ذلك في المستقبل.

سيذكر التاريخ أن سبب المقاطعة للمنتجات الفرنسية كانت بسبب إساءة وهجوم فرنسا على نبي الإسلام الذي لم يُرسل رحمة للمسلمين فحسب بل للعالمين، أما مقاطعة المنتجات التركية فقد دعت إليها عقلية "أبو جهل" المعاصرة، التي تضايقت من سعي تركيا للوقوف بجانب المسلمين ودرء الظلم عنهم.

هل تعلمون لماذا لا يزال السلطان عبد الحميد الثاني الذي كان سلطانًا في وقت عصيب وفي فترة المتسحيلات، وفي زمن السياسيين الذين أسسوا العالم الحديث؛ لماذا لا يزال باقيًا في الأذهان والعقول؟ ليس لأنه قدّم للمسلمين إسهامات وفرصًا واسعة، أو لأنه كان يحلّ مشاكلهم وأزماتهم. بل لأنه كان يدافع عن المسلمين باستخدام وسائل دبلوماسية عصره، بدلًا من الحرب. حينما تمكن من إيقاف المسرحيات التي أريد إقامتها للإساءة للرسول في فرنسا أو بريطانيا.

+

خبر عاجل

#title#