أخبار النصر من قره باغ - محمد آجات

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

أذكر حينما ذهبت إلى أذربيجان في أكتوبر/تشرين الأول عام 1998، كنت آنذاك مراسلًا شابًّا، كان عليّ إعداد ملف حول خط الأنانيب "باكو-جيهان" الذي كان لا يزال مشروعًا على الورق آنذاك.

حينما ذهبت في ذلك الوقت لم تكن العاصمة باكو تبدو بهذا الجمال الذي هي عليه اليوم، لم تكن بعدُ الثروات الباطنة مكتشفة في أذربيجان.

كلما قلّبت نظري كنت أرى أبنية قديمة قريبة من اللون البنيّ الفاتح، سرعان ما تعود بالذاكرة إلى الحقبة السوفيتية.

حينما كنت في أذربيجان جاءتني رغبة للذهاب إلى الأماكن التي فرّ نحوها اللاجئون إثر احتلال أرمينيا للأراضي الأذربيجانية، كي ألتقي بهم وأكتب مادّة عنهم.

وبالفعل ذهبت إليهم وكتبت مادة إخبارية عنهم، عن المأساة وحالة البؤس التي كانوا فيها يذرفون دموعهم حسرة.

بينما كنتُ أقلب صفحاتي القديمة التي تعود حتى إلى 22 عامًا، وقعت تلك المادة بين يدي. سرعان ما سرى الحزن في وجداني وأنا أطالع ما كتبته آنذاك، حيث أخذتني الذكريات لأيام الشباب آنذاك، وأيضًا لحالة أولئك اللاجئين وما كانوا فيه من بؤس ومعاناة.

واسمحوا لي أن أشارك معكم آخر فقرة من المادة التي كتبتها آنذاك عن أولئك اللاجئين:

"ينتظر هؤلاء اللاجئون الذين وقعوا ضحية الحرب، أمام أعتاب الربيع السادس منذ تهجيرهم من ديارهم، يتوقون للعودة إلى تلك الديار التي لا يعرفون الآن عنها شيئًا. وبينما هم على هذه الحال، ينتظرهم شتاء قاسٍ لن يرحم الخيام التي باتت مأواهم".

كانت الفقرة تعني بوضوح أنّ هؤلاء اللاجئين كانوا يأملون عبثًا في أن تقدّم لهم مجموعة "مينسك" أي حلّ لإنهاء معاناتهم والعودة إلى ديارهم، لكن دون جدوى.

أما الآن فها قد مضى 22 عامًا منذ كتابة ذلك الخبر، وها نحن بات بإمكاننا في هذا المقال أن نتحدث عن ربيع حقيقي يسعد به هؤلاء اللاجئون.

إنني أشعر بسعادة كبيرة باسمهم، أشعر بالفرحة تغمرهم وهم يعودون إلى ديارهم ومنازلهم.

لطالما كان يُقال "إذا سقطت شوشا ستسقط قره باغ بأكملها" وقد حدث ذلك حقًّا.

استيقظنا فجر الثلاثاء على إعلان الهزيمة التي أعلنها رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان، لقد اعترف بسقوط قره باغ عبر تصريحات مثيرة للشفقة.

لقد أعلن باشينيان أنه وقّع مع الرئيس الروسي بوتين، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، على إعلان مشترك يقضي بوقف إطلاق النار. وقد وصف ذلك الإعلان بأنه كان "مؤلمًا" له ولشعبه: "اتخذت قرارًا صعبًا للغاية سواء لنفسي أو لنا جميعًا".

هذه التصريحات التي أدلى بها رئيس وزراء أرمينيا تعتبر إعلانًا واعترافًا بالاتفاقية التي تعني نصرًا واضحًا لأذربيجان.

أما الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، فكان سعيدًا جدًّا بالنقطة التي تم توصل إليها، لقد قال بأنّ "هذا الإعلان يعني إنهاء الاحتلال المستمر منذ وقت طويل. إنه يعني عودة المناطق المحتلة مثل "لاتشين وكالبجار" دون إراقة دماء".

إن هذا الإعلان في الوقت ذاته يعني أن الجيش الأذربيجاني سيواصل البقاء في المواقع التي تم تحريرها حتى ساعة الإعلان.

وعلى الجانب الآخر، رأينا الصور التي تظهر عملية "الترحيب" التي لاقاها باشينيان في العاصمة يريفان، بعد إعلان الهزيمة.

لقد اقتحمت مجموعات غاضبة من المواطنين هناك العديد من المباني الحكومية، وألحقوا فيها ضررًا واسعًا. كان واضحًا أنهم لم يستوعبوا وقع الهزيمة.

إلا أن هذه المشاهد عبّرت بشكل واضح عن العبرة الحقيقية؛ حينما تجرؤ على احتلال أراضي بلد ما بشكل غير عادل، فقد تضطر لمواجهة الفواتير الثقيلة لذلك الاحتلال حينما تحين الساعة.

وعلى صعيد آخر، كان من الواضح أن دولًا وعلى رأسها "فرنسا"، كانت تراقب التقدّم الأذربيجان في قره باغ، بدقة كبير.

حتى التصريحات التي صدرت من باريس تعليقًا على الإعلان الأخير، كانت تستهدف تركيا بوضوح. حيث دعت أنقرة لوقف ما أسمته بـ "الاستفزازات" في قره باغ.

وفي هذا السياق، أثار اهتمامي خبرٌ مثير حول ذلك، وهو تعليق السفير الفرنسي السابق في واشنطن، جيرارد أرو، حول الإعلان الأخير لهزيمة أرمينيا في قره باغ، حيث اعتبره "نجاحًا تركيًّا، وتراجعًا إيرانيًّا، وهزيمة أرمنية، وموقفًا مدهشًا من روسيا".

عندما بدأ الجيش الأذربيجاني عملياته العسكرية في قره باغ نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، كان أحد أكثر الأسئلة إثارة للفضول، هو كيف سيكون تعامل أو رد روسيا على هذا التحرك.

لا شك أن السفير الفرنسي أرو قد شعر بالخيبة من الموقف الروسي، بعد أن كان يعقد الأمل عليه في الوقوف إلى جانب أرمينيا المحتلة. إلا أنه كما اعترف مؤخرًا، حيث كان من الواضح أن الموقف الروسي كانت تخيم عليه إشارات استفهام عديدة.

وعلى الرغم من الدور التركي الواضح في قضية قره باغ، إلا أن هناك إشارات عديدة أظهرت نية روسيا تحييد دور أنقرة في الوضع الجديد فيما بعد الإعلان الأخير.

ولذلك ينبغي أن لا يجعلنا الفرح بالنصر، أن نغفل عن هذه النقطة بالغة الأهمية.

+

خبر عاجل

#title#