رسالة من سعود! - زكريا كورشون

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

أجرى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز اتصالًا هاتفيًّا قبيل قمة العشرين، بالرئيس أردوغان. على الرغم من كل المشاكل لا شك أن هذا الاتصال يعتبر خطوة إيجابية، وتصرفًا مسؤولًا. دعونا نذكر قبل أي شيء أن عودة العلاقات التركية-السعودية يمثل أهمية كبيرة وبشكل خاص للسعودية. ولذلك السبب أرى أن إبقاء قنوات التواصل في العلاقات بين البلدين أمرًا مهمًّا للغاية.

ويجب في الأصل على من يحمل لقب خادم الحرمين الشريفين ويحظى بالسيادة على القبلة التي يتوجه إليها مليارا مسلم، أن يكون لديه حسّ المسؤولية الكبرى. أيًّا كانت المشاكل فلا يمكن تجميد العلاقات مع واحدة من أكبر دول العالم الإسلامي لفترة طويلة، وإن ذلك يخالف المنطق والعقل والسياسة الحقيقية.

لقد ذكرت في عدة مقالات سابقة أنه بغض النظر عن الخلافات القائمة بين الطرفين والتي جعلت العلاقات بينهما رهينة لها في السنوات الأخيرة؛ يجب أن يكون هناك تعاون أساسي بين البلدين من أجل الأمن الإقليمي وكذلك من أجل مصالح البلدين.

وإلى جانب ذلك فإن مستقبل السعوديين يعتمد على التخلي عن المغامرات التي تجري من وراء الستار، والتوجه نحو إقامة مزيد من التعاون والعلاقات مع العالم الإسلامي.

ننتقل الآن إلى عنوان مقالي هذا؛ "الرسالة"، لا يتحدث المقال عن رسالة ما بعثها الملك الحالي، بل أبوه عبد العزيز. وعلى الرغم من النظر إلى رسالة الملك سلمان الحالية على أنها تصرف راقٍ وقيّم، إلا أن ذلك لا يمنعنا من استعراض التاريخ، بل يجب علينا ذلك.

تعتبر أكثر نقطة لا يمكننا الاتفاق فيها مع المؤرخين السعوديين، وبالأحرى الأيديولجية التاريخية الرسمية في السعودية؛ هي علاقة الملك المؤسس مع الدولة العثمانية.

منذ القرن السابع عشر كان هناك روابط إدارية بشكل ما تجمع بين آل سعود من إبراهيم حتى عبد العزيز، وبين الدولة العثمانية. لكن على الرغم من ذلك فإن التاريخ السعودي اليوم ينفي بشكل قاطع، أن يكون والد الملك سلمان، أي عبد العزيز؛ قد شغل منصب حاكم أو والي منطقة نجد باسم الدولة العثمانية. إلا أن "الرسالة" التي نريد التحدث عنها اليوم تشير إلى فترة الملك عبد العزيز كوالٍ في الدولة العثمانية.

يمكنكم أن تستعرضوا في كتبي ومقالاتي السابقة، تعيين والد الملك العزيز من قائم مقام إلى والٍ من قبل الدولة العثمانية. إلا أن هذا المقال سيكون حول الرسالة التي تم إرسالها إلى وزير الداخلية آنذاك، طلعت باشا، وهي وثيقة لا تزال لم تر النور بعد، وإنني أول مرة أتعرض لها في مقال هنا.

تحمل الرسالة توقيع والي وقائد نجد، عبد العزيز آل سعود، إضافة إلى ختمه الشخصي المنقوش باسم؛ عبد العزيز بن عبد الرحمن، بتاريخ 9 أكتوبر/تشرن الأول عام 1914.

وبعبارة أخرى تعود هذه الرسالة إلى الفترة التي تلت تعيين عبد العزيز واليًا وقائدًا على نجد، وهذا الفترة كانت عبارة عن 6 أشهر. وإن هذه الرسالة الموجودة في الأرشيف العثماني لا تكمن أهميتها في كونها تحمل توقيع وختم الملك عبد العزيز، بل إنها كذلك تحل قضية إنكار ولاية عبد العزيز التابعة للدولة العثمانية.

بعد تعيين عبد العزيز في نجد، لجأ إلى بعض المناطق المجاورة لطباعة ورقة بترويسة، حيث لم تكن هناك طابعة في مسقط رأسه. كانت الرسالة بخط جميل للغاية، نُقش عليها اسم وتوقيع عبد العزيز آل سعود والي وقائد نجد، كما تم منح الرسالة رقمًا رسميًّا.

وإن رقم هذه الوثيقة/الرسالة يشير إلى أن والي نجد أي عبد العزيز قام بإرسال 26 رسالة قبلها. وباختصار فإن الرسالة التي بين أيدينا تمثل دليلًا قاطعًا ضد الإنكار الذي يعتمده مؤرخو السعودية اليوم.

دعونا ننتقل إلى محتوى الرسالة…

على الرغم من أن الرسالة تتسم بأسلوب سلس إلى حد ما، فإنها تحافظ كذلك على التسلسل الهرمي في تلك الحقبة، الذي يفرض مستوى معينًا على رسالة يكتبها والٍ إلى وزير الداخلية. تبدأ الرسالة على الشكل التالي؛ "إلى وزير الداخلية الموقّر طلعت بك الغيور على دولة الإسلام، والمصيب في آرائه".

كانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت قبل عدة شهور من هذه الرسالة، وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية لم تكن في الحرب بعد، إلا انها كانت تقوم بالتحضيرات للحفاظ على أمن المقاطعات الإقليمية ولا سيما الخليج العربي. ولقد كان عبد العزيز في هذه الرسالة، يتحدث عن تمركز القوات في المناطق الساحلية للولاية، وأنه جاهز لتلقي أوامر الدولة في هذا الصدد.

لم تكن الرسالة متعلقة بهذه الجزئية فحسب، بل إلى جانب أنّ عبد العزيز ركز ضمن رسالته على أنّ كلّ غرضه وهدفه هو خدمة الدولة تحت أمر الخليفة، كان يشتكي ضمن الرسالة أيضًا من والي بغداد "جاويد بك"، الذي كان يتعين على عبد العزيز إرسال البرقيات من خلاله. كما اتهمه بأن بعض رجالاته يعملون وفق مصالحهم الشخصية، مفرّطين بمصلحة المسلمين ووحدتهم. كما طلب أن تتم مراسلاته مع إسطنبول عن طريق البصرة لا بغداد. ولأجل ذلك اقترح أن يتم تحييد عبد اللطيف المنديلي في بغداد، وأن يقوم بمراسلة إسطنبول عبر مبعوث البصرة السابق نقيب زاده طالب بك.

لا شك أن الاسمين الأخيرين يعتبران شخصيتين مهمتين في تاريخ المنطقة، إلا أنه من غير الممكن الخوض في تفاصيل أكثر حول هذا هنا. لكنّ العلاقات التي جمعت بينه وبين طالب بك في ذلك الوقت، إلى جانب مفاوضات الأخير الطويلة مع الإنجليز كي يصبح ملكًا للعراق، تشير إلى أن هناك أسبابًا أخرى وراء تلك المراسلات.

عقب دخول الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني، أرسلت الدولة العثمانية إلى عبد العزيز رسالة من خلال بغداد والبصرة معًا، تحتوي على فتوى لإعلان الجهاد. إلا أن عبد العزيز اعتذر عن تلبية محتوى الرسالة، مبرّرًا ذلك بأنه لا يستطيع الدخول في حرب بسبب المعارك القبلية الموجودة، لا سيما مع خصمه ابن رشيد. وعند ذلك أرسلت إسطنبول له ولمن حوله تحذيرًا من أن الوقت هو وقت توحيد جميع القوى المسلمة، وأنّ ذلك أمر ضروري واجب.

ما رأيكم؟ ألا تصلح الدعوة لتوحيد الجهود التي تم إرسالها لوالد الملك سلمان؛ لأن تكون للملك سلمان أيضًا؟

+

خبر عاجل

#title#