إمام باريس - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

في السادس عشر من يوليو/تموز عام 1926، كانت باريس مشغولة بمراسم مهيبة لحدث هام. كانت تفتح مسجدًا ضخمًا في موقع مركزي بالعاصمة باريس، في منطقة "الحي الخامس" في يومنا هذا، على مسافة قريبة من جامعة السوربون والمعالم التاريخية الشهيرة هناك.

يُعرف باسم "مسجد باريس الكبير"، وكان ثمرة جهود طويلة بدأت منذ العام 1842، حيث لطالما تجاهلت الحكومات الفرنسية "العلمانية" مطالب مسلمي شمال إفريقيا لافتتاح مسجد دائم في باريس.

كما أن المصلى الذي افتتحته السفارة العثمانية بباريس عام 1856 في "مقبرة بير لاشيز" لم يستمر لوقت طويل. وكذلك أيضًا مشروع المسجد الذي كانت الدولة العثمانية بصدد بنائه في باريس عام 1914، ظلّ حبرًا على ورق بسبب الانشغال بالحرب العالمية الأولى التي نشبت آنذاك.

وأخيرًا في العام 1920 باتت فكرة إنشاء مسجد للمسلمين في باريس أكثر واقعية، ليتم وضع حجر الأساس لهذا المسجد عام 1922، وبعد 4 سنوات من العمل تم إسدال الستار عن مسجد ضخم من الطراز المعماري الأندلسي الشمال إفريقي.

كانت مراسم الافتتاح مهيبة، استقطبت اهتمامًا كبيرًا من آلاف المسلمين وغير المسلمين. حضر تلك المراسم الرئيس الفرنسي آنذاك، غاستون دومورغ، إلى جانب سلطان المغرب آنذاك يوسف بن حسن، ومؤسس مسجد باريس الكبير ورئيسه، عبد القادر بن غبريط، ويُعرف أيضًا بـ: سي قدور بن غبريط. ولقد كان يتمتع بن غبريط بشخصية استثنائية للغاية.

وُلد غبريط في الجزائر عام 1868، لعائلة من الأعيان تعود أصولها إلى الأندلس. بعد أن أكمل تعليمه الأسياسي في العاصمة، توجه نحو المغرب، ليتم تعليمه في جامعة القرويين في مدينة فاس. وليبدأ بعد ذلك العمل في مجال الحقوق.

وفي عام 1982 دخل بشكل رسمي تحت بنية وزارة الخارجية الفرنسية، ليعمل هناك مترجمًا رافق الفرنسيين في شتى الاعمال الدبلوماسية في شمال إفريقيا. كان بن غبريط في المقدّمة دائمًا، سواء عند ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر عام 1901، أو حين إعلان النفوذ الفرنسي في المغرب عام 1906، وكذلك حين توقيع المعاهدة التي نصت بشكل رسمي على دخول المغرب تحت الحماية الفرنسية عام 1912.

لم يكن مجرد مترجم للفرنسيين فحسب، بل كان يحمل أيضًا مهمة الاستخبارات حول العرب والمسلمين. ولقد كانت المعلومات التي يقدّمها أو التقارير التي يعدّها قيمة للغاية، لدرجة أن أروقة الخارجية الفرنسية، كانت تصفه بالاستخباراتي العربي الأكثر موثوقية.

عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، قررت فرنسا إرسال بن غبريط سفيرًا لها إلى مكة عام 1916. كان العرض الذي قدّمه إلى الشريف حسين آنذاك واضحًا دون شبهة؛ "تمرّدْ ضد العثمانيين، واقطعْ كل علاقاتك مع الأتراك، ومقابل ذلك سندعم الخلافة العربية التي ستُقام على يدك".

إلا أن الشريف حسين كان قد بدأ بالفعل مراسلاته مع الإنجليز، ولذلك لم يمنح بنَ غبريط ردًّا إيجابيًّا. لكن ومع ذلك، فقد عرض تقديم جميع التسهيلات للحجاج المسلمين القادمين من فرنسا.

في عام 1917 حينما تلقى بن غبريط قرضًا من الحكومة الفرنسية، لتشكيل لجنة بهدف تنظيم أمور الحج لمسلمي فرنسا وشمال إفريقيا، فضّل بن غبريط استخدام القرض في فكرة بناء مسجد كبير في باريس، وحينما تم بناء المسجد فعلًا لم يكن أمرًا مستبعدًا أن يتم تعيينه رئيسًا للمسجد، ولقد ظل في هذه الوظيفة حتى وفاته في باريس عام 1954.

كان اسم بن غبريط أيضًا بارزًا خلال الحرب العالمية الثانية، حينما تم غزو باريس من قبل النازيين، برز اسم بن غبريط في إنقاذ مئات اليهود من يد الألمان. كان يمنح اليهود هويّات مسلمين مزوّرة، أو يخبّئهم في أقبية المسجد الكبير بباريس، كي يساعدهم على الهروب من باريس عبر أنفاق تحت الأرض.

ولعل المطرب الجزائري اليهودي، سليم الهلالي، من أبزر اليهود الذين أنقذهم بن غبريط من يد الألمان. حيث نجح في التحايل على النازيين بأن الهلالي مسلم، عبر إظهار قبر مزيّف ادعى أنه قبر أحد أجداده المسلمين.

حينما نأتي إلى اليوم، نجد أن المسجد الكبير في باريس يواصل أنشطته بما يتوافق بشكل تام مع السياسة الرسمية للدولة في فرنسا. وإن مجرّد تذكّر الدعوة الرسمية التي وجهتها إدارة المسجد للمسلمين في فرنسا، من أجل انتخاب ماكرون خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2017، يكفي لشرح العلاقة التي تجمع ما بين المسجد مع الدولة وسياستها.

يترأس إدارة المسجد الكبير بباريس منذ عام 1992 إلى اليوم، الحزائريّ دليل بوبكر.

على الرغم من أن الرئيس الفرنسي اليوم إيمانويل ماكرون، لا يزال يجري وراء خياله نحو إعادة تشكيل الإسلام، ولأجل ذلك يبحث عن أصدقاء عمل ذوي شخصية وموهبة عالية مثل بن غبريط، إلا أن العالم يتغير بسرعة، وكذلك فرنسا.

دعونا في مقال السبت القادم، نلقي نظرة فاحصة عن كثب على تفاصيل المشاريع الدينية التي يسعى ماكرون لفرضها على مسلمي فرنسا وأوروبا أيضًا، وفرصة النجاح لتلك المشاريع، بدءًا من النسخة الباهتة والخافتة عن بن غبريط اليوم؛ حسن شلغمي.

+

خبر عاجل

#title#