توقّعات - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

لقد كانت تصريحات الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية السابق، حول إسرائيل، في القمة الأمنية التي عُقدت في العاصمة البحرينية المنامة، الأحد الماضي 6 ديسمبر/كانون الأول الجاري، من بين أكثر المواضيع التي تم تناولها هذا الأسبوع.

لقد وصف الأمير تركي إسرائيل أنها "على الرغم من تصوير نفسها كدولة صغيرة تعاني من تهديد وجودي محاطة بقتلة متعطشين للدماء يرغبون في القضاء عليها، إلا انها تمثل آخر القوى الاستعمارية الغربية". كما قال الفيصل بأنه "لا يمكنك معالجة جرح مفتوح عبر المهدّئات والمسكنات"، مستشهدًا بأمثلة مختلفة على مظاهر الاحتلال والمعاملة الوحشية التي يتعرض لها الفلسطينيون.

الأمير الفيصل قال أيضًا، أنّ الإدارة الصهيوينة تقوم "باعتقال الفلسطينيين داخل معتقلات جماعية، وتركهم يتعفنون هناك، دون التفريق بين صغير وكبير أو ذكر وأنثى". مذكّرًا "أن إسرائيل تدمر المنازل كما تشاء وتغتال من تشاء".

كما انتقد الأمير الفيصل بشدة التمييز الذي تمارسه إسرائيل بحق مواطنيها المسلمين، مشددًا على أنّ الإدارة السعودية لا ترضى إلا بحل عادل يرضي الفلسطينيين.

أما وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي الذي شارك في القمة ذاتها عن بُعد، فقد كان يشعر بدهشة كبيرة وهو يسمع كلمات الفيصل. وحينما حان دوره للحديث، عبّر عن أسفه الشديد لما سمعه من المسؤول السعودي. وقال "لا أعتقد أن هذه التصريحات لا تعكس روح التغييرات التي تمر بها المنطقة في الشرق الأوسط". ليعاود الردّ على تلك التصريحات عبر حسابه في تويتر بعد انتهاء القمة.

لم تكن تصريحات الفيصل الذي شغل منصب رئيس المخابرات السعودية بين 1979 حتى 2001، تحمل أهمية كبيرة فقط لأنه يحمل هذا اللقب أو لقربه الوثيق من ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز. بل كانت تصريحاته ذات مغزىً لسبب أهم، ألا وهو لأنه ابن الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، الذي اشتهر بحظره النفط عام 1973، احتجاجًا على دعم الولايات المتحدة والغرب لإسرائيل، ومن ثمّ لم يلبث أن اغتيل في قصره بالرياض. ولذلك السبب رأينا بين الكم الهائل من ردود الفعل عبر مواقع التواصل، دعوات جادة نحو "العودة إلى خط الملك فيصل".

على الرغم من أنّ الدعوة للعودة إلى خط الملك فيصل الراحل، تعتبر هدفًا بعيدًا عن الواقع إلى حد كبير بالنسبة للإدارة السعودية الحالية، إلا أننا نجد الأصوات المرتفعة في الرياض خلال الأسابيع الأخيرة مهمة للغاية. بينما توقع الجميع انضمام السعودية إلى قطار التطبيع مع إسرائيل، على غرار ما قامت به الإمارات والبحرين والسودان، إلا أنها في نهاية المطاف اتخذت موقفًا معاكسًا لذلك. وبات الجميع يدرك أنّ المرحلة الجديدة التي يقودها الملك سلمان شخصيًّا، باتت تركز على التراجع عن خطاب العداء ضد تركيا، واللجوء إلى قنوات الحوار والمصالحة من جديد.

جلّ المراقبين السياسيين في وسائل الإعلام العالمية، يرون أن التفسير المنطقي للتغير الذي أشرنا إليه في لهجة وأسلوب الإدارة السعودية، هو رغبة الرياض في الالتزام بسياسات الشرق الأوسط التي سترسمها بها إدارة بايدن جو الجديدة. وفيما لو قامت إدارة بايدن بإدخال إيران إلى اللعبة مجددًا، فلا شك أن ذلك سيكون بمثابة حصار شبه كامل للسعودية.

على مدار ثلاث سنوات خلت من الخطوات القذرة التي قام بها رجل ترامب اليهودي؛ صهره جاريد كوشنر، في الشرق الأوسط، كان من الجدير بالسعودية أن تجد تركيا الخيار الأكثر منطقية وعقلانية في ظل ذلك، إلا أنها مع الأسف ركبت موجة أخرى.

ليس من السرّ أن السعودية استثمرت كل ما لديها في سبيل فوز ترامب من جديد في الانتخابات، إلا أنها حينما رأت بادين قد خرج فائزًا كان لزامًا عليها تغيير المسار بشكل كامل. وهذا التغيير لا يقتصر على موقفها من تركيا فحسب، بل كذلك مع قطر، حيث بدأنا نشهد خطوات المصالحة بين البلدين. وحينما ننظر إلى حصار قطر المفروض عليها منذ يونيو 2017، نجد أنه ساهم في اقتراب إيران بشكل أكبر من ذي قبل من الجزيرة العربية، من بوابة الدوحة. أما الإمارات فبينما تحذر السعوديين من خطر الإيرانيين، تمد يدها من تحت الطاولة إلى النظام الإيراني والسوري معًا. ولهذا السبب نجد أنّ السعودية أعادت تفكيرها من جديد فيما يتعلق بالعلاقات مع كل من تركيا وقطر.

بينما تجري كل هذه التطورات المهمة في المنقطة، فإن السؤال ذاته يخيم على أذهنة الجميع؛ أين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في هذه المعادلة، وهو الحاكم الفعلي للملكة؟ لأننا بينما نسير في طريق العودة نحو الوضع القديم بمبادرة من الملك سلمان، فإن ما يثير الدهشة والتساؤل هو ما يفعله أو يفكر به ولي العهد ابن سلمان. إذا نجح بالفعل في قراءة التوزانات في المنطقة بشكل صحيح، فلا بد أن يتخلى فورًا عن المغامرات الخطيرة التي ورطه بها العقل السياسي في أبو ظبي، وألحق الضرر به وببلاده. وإذا كان لا يستطيع القراءة، فمن الواضح إذن أن العواقب غير السارّة لذلك ستنعكس على الشرق الوسط بأكمله، وحتى على العالم الإسلامي أيضًا. ولا شك أنّ الذي تنتظر الشعوب والقلوب هو الخيار الأول لا الثاني.

+

خبر عاجل

#title#