أما الزبد فيذهب جفاءً! - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

حينما التقيت في تونس زعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، قبل 4 أعوام خلت، سألته قائلًا؛ "هناك البعض يقولون أن الربيع العربي قد تحول إلى شتاء، وأن كل شيء قد بات أسوأ من ذي قبل. فما رأيكم بهذا القول؟". ليرد الغنوشي بالتأكيد على أنّ الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها، وأنّ الربيع العربي بطبيعته كان عملية مرهقة يجب متابعتها بصبر، مع التذكر أن بعض النتائج لا يمكن الحصول عليها إلا بعد مرور سنوات عديدة.

وتدليلًا على كلامه، استشهد بالآية 17 من سورة الرعد؛ "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ".

بعد أن قرأ الغنوشي الآية الكريمة، تابع حديثه بالقول؛ "كما في هذا المثال تمامًا، سترون أن الزبد الذي في الربيع العربي لن يلبث حتى يذهب جفاءًا. وحينما ننظر إلى ما بعد سنوات عدّة، سنجد أن هناك ما ينفع الناس قد بقي حقًّا. أنا أؤمن بذلك".

لقد تذكرت ذلك اللقاء وحديث غنوشي حينها، بنيما كنت منذ بضعة أيام أطلع على بعض المقالات والتقييمات في سياق الذكرى العاشرة للاضطرابات التي عمت المنطقة تحت اسم "الربيع العربي". لكن لا أدري ما الذي يفكر به الغنوشي اليوم ذلك الوقت والعديد من الأحداث التي جرت، إلا أنني لا أعتقد أن قناعاته قد تغيرت بشكل مفصلي في هذا الصدد، أعتقد ذلك لأنني خلال حديثنا رأيت أمامي رجلًا سياسيًّا يتحدث وهو يعي ويؤمن تمامًا بما يقوله، خاصة وأنه يتحدث عن خبرة وتجربة تمتدان إلى زمن طويل.

وأعتقد بناء على المواقع التي تسلّمها في تونس، والعقبات التي تخطتها البلاد في هذه الحقبة، أنني لو طرحت السؤال ذاته عليه مجددًا، لأجاب بالجواب ذاته.

يمكن قراءة هذه القضية والأحداث بأبعاد كثيرة في كل وقت، لا سيما وأن القضايا الكبرى المؤثرة خاصة التي نكون جزءًا منها، غالبًا ما تكتسب علامات أو مظاهر أوضح بعد مضي وقت وربما بعد مضي عقود.

ولذلك السبب، نجد أنّ هناك عددًا كبيرًا من التفسيرات والتوضيحات الممكنة للأحداث الجارية، وفق ما يسميه الغربيون بتطوير القصص (developing story). وعلى الرغم من أن هذه التفسيرات أو التوضيحات قد تكون متناقضة فيما بينها، إلا أنها يمكن أن تعبّر كلها عن جزء ما من الحقيقة، بناء على وجهة نظر خاصة. وكمثال على ذلك، نجد أنّ الربيع العربي يصح أن نصفه بالانتفاضة الشعبية التي انبثقت بشكل كامل عن معاناة الشعوب واحتياجاتهم، نتيجة الاضطهاد والحرمان الذي عاشوه طيلة عقود من الزمن. وفي الوقت ذاته أيضًا يمكن أن نقول بأنّ الربيع العربي كان ساحة للتدخلات الخارجية، وتنظيم المخططات الاستخباراتية الدولية.

وبناء على ذلك نجد أنّ كلا النظريتين يعزّزان بعضهما البعض، وفي الوقت ذاته يتناقضان فيما بينهما، فيما يدعو إلى نظرة تأمل وإنصاف لجميع ما حصل، منذ الشرارة الأولى التي انطلقت من تونس في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2010، إلى مصر التي أعاد فيها الجيش نفوذه من جديد، وسوريا التي باتت ممزقة قطعًا إربًا، وصولًا إلى ليبيا التي لا تختلف عن الوضع السوري بكثير. وبعبارة أخرى علينا النظر بإنصاف وعن كثب لجميع تلك البلاد والمناطق التي كانت ساحة للربيع العربي، وحينها سندرك حقًّا حجم المأساة الشعبية، إلى جانب التدخلات الدولية التي يديرها لاعبون أجنبيون. وفي خضم ذلك كله من تخبط واضطراب وتداخل، نجد أنّ تركيا وقفت بكل ما أوتيت من قوة وصبر، إلى جانب الحق والعدالة.

دعونا نسأل أنفسنا بمناسبة الذكرى العاشرة للربيع العربي؛ ما الذي تعلمته تركيا من جميع ما حدث؟ وإنني أعتقد أنه سؤال بمنتهى الأهمية.

بالطبع هناك إجابات مختلفة ومتعددة حول هذا السؤال، سواء من قبل الشعب أو من قبل صنّاع القرار أيضًا. إلا أنه بلا شك هناك ثلاث نقاط مشتركة فيما بيننا جميعًا، كشعب وحكومة، ألا وهي: اولًا؛ فهم الديناميكيات والتوازانات الداخلية للمنطقة التي نعيشها، وعدم التسليم لكل ما هو مسلّم بهذا الخصوص، أي عدم التسليم لكل ما علق أو ما يعلق بأذهاننا حول ذلك. ثانيًا؛ إدراكنا لحاجتنا إلى مزيد من الخبرة والتطوير، والعمل بشكل مكثف على ذلك. ثالثًا، حاجتنا اللازمة لإنتاج عتاد مكتوب ومادة دعائية مضادة.

ولا شك أننا في النقطة الأخيرة، لا نزال نحتاج إلى خطوات جادة ومهمة يتعين علينا اتخاذها.

والحقيقة أننا لا نزال في الطور الأول ضمن عملية إنتاج نصوص أصلية محلية موثوقة وضخمة مكثفة، تعكس وجهة نظرنا، فيما يتعلق بالشرق الأوسط خاصة، والعالم الإسلامي عامة. وبناء على ذلك، ينبغي تكثيف عملية الإنتاج من الدراسات على وجه التحديد، وإنشاء مواد تساعد على فهم التاريخ والجغرافيا بشكل أعمق. وإنّ أي تقصير أو كسل في هذا الصدد، يعني أننا سنبقى رهن الآخرين حتى يصدّروا لنا ذلك.

ماذا يقول المثل الإفريقي الشهير؛ "حتى تتعلم الأسود الكتابة، ستظل القصص تمجد الصيادين فحسب".

+

خبر عاجل

#title#