مسار النوايا الحسنة في شرق المتوسط يشهد تطورًا - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

مسار النوايا الحسنة في شرق المتوسط يشهد تطورًا

حينما أظهرت مصر احترامها لحدود الجرف القاري الذي أعلنته تركيا، وذلك خلال فعاليات التنقيب عن الغاز والنفط التي تقوم بها مصر منذ فترة في مياه شرق المتوسط، توجه وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس على الفور مرتبكًا إلى القاهرة ضمن زيارة مفاجئة، التقى خلالها نظيره المصري سميح شكري.

ولا شك أن هذه الزيارة كانت تهدف لمنع حدوث خسائر بالنسبة لليونان، جرّاء تقارب محتمل بين مصر وتركيا. تكمن هذه الخسائر بالطبع في ضياع المكاسب التي تحققها اليونان من اتفاقيتها الموجودة حاليًّا مع مصر، بيد أن هذه الاتفاقية ذاتها قد ألحقت بمصر أضرارًا جسيمة وأفقدتها الكثير.

ولا شك أن موضوع المكاسب والخسائر قد تم تناوله وتقييمه بطريقة أو بأخرى، خلال زيارة ديندياس للقاهرة، وبناء على ذلك يبدو أنه تم فتح باب جديد للتفاوض من أجل إعادة تعيين الحدود البحرية.

وعلى صعيد آخر، نجد أنه تزامنًا مع تلك التحركات، قد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد بأن المحادثات مع تركيا في ملف شرق المتوسط؛ ضرورية ومفيدة.

كيفما نظرنا إلى هذه التطورات والتحركات في ملف شرق المتوسط، نجد بوضوح أنها تحمل دلالات جيدة.

بمعنى أوضح، نجد أن هذه التحركات الجديدة تشير بشكل واضح إلى أن جميع الأطراف التي كنت في السابق تعقد اتفاقيات وتفاهمات فيما بينها في شرق المتوسط، دون إشراك تركيا بل ومن خلال تهميشها؛ قد أدركت جيدًا أن جميع اتفاقياتها لا تحمل أي صلاحية فضلًا عن أنها لا يمكن تطبيقها بأي شكل.

ولو أن تركيا في المقابل ظلت صامتة دون حراك أمام هذه المحاصصة غير العادلة، لوجدنا أن اتفاقيات تلك الأطراف قد تحولت اليوم إلى أمر واقع لا يمكن التغلب عليه، وكانت ستجعل من تركيا دولة غير قادرة على رمي صنارة صيد في شواطئها، على الرغم من أنها تمتلك أكبر حدود برية مطلة على البحر الأبيض المتوسط.

إلا أن تركيا من خلال الاتفاقية التي عقدتها مع الحكومة الشرعية في ليبيا أواخر العام 2019، قلبت جميع تلك الحسابات رأسًا على عقب، وأرغمتها على إعادة النظر من جديد. وإن تركيا في المقابل لا تتجاهل حقوق الآخرين حين البحث عن حقوقها، بل إن كل ما تريده هو تحصيل حقوقها الخاصة بها دون تعدٍّ على حقوق الآخر.

وحينما كانت تركيا تقوم بذلك، كان هناك من يتحرك بخطوات عدوانية من شأنها الإضرار باستقرار المنطقة، ولا شك أن من قام بهذه الخطوات العدوانية هم أولئك الذين طمعوا في مكاسب ليست من حقهم.

مثلًا اليونان التي تستخدم مزايا عضويتها بالاتحاد الأوروبي، حظيت بدعم من الدول الأوروبية، وهو دعم يشبه إلى حد كبير مساعدة أعمى لأعمى آخر، بيد أن الكثير قد تلقف هذه التحركات اليونانية-الأوروبية ضد تركيا وتبناها فترة من الوقت. لكن في نهاية المطاف نجد أن جميع تلك الحسابات باءت بالفشل، وخرجت تركيا منتصرة من حيث إعادة ضبط التوزان، من خلال تمسكها بحقوقها ودفاعها عن تلك الحقوق.

وبناء على ذلك، فإن مساعي البحث عن معادلة جديدة في شرق المتوسط لا تعني إلا البحث عن تقاسم جديد عادل، من شأنه أن يمنح كل ذي حق حقه، دون سلب حق أحد.

إن تجاهل حقوق أي طرف في شرق المتوسط، يجعل عملية الحصول على الموارد الهيدروكربونية في شرق المتوسط بشكل سليم وآمن وفعال؛ أمرًا مستحيلًا بعيد المنال. وإن الطمع في الاستحواذ على خيرات شرق المتوسط أمر غير مسموح به، وهذه أطروحة تركيا باختصار، ولا يمكن لأحد أن يعترض عليها لأنها تمثل أساسًا أخلاقيًّا يرضي الجميع في نهاية الأمر.

إن التحركات التي نشهدها اليوم سواء من مصر أو اليونان أو إسرائيل، تشير إلى أن الجميع يحاول الاقتراب من مبدأ "حسن النوايا" الذي طالما دافعت عنه تركيا وناضلت لأجل تحقيقه.

وحينما يتم الاقتراب من مبدأ حسن النوايا الذي نتحدث عنه، فمن الممكن بالتالي أن يتمخض عن تقارب وتفاهم واتفاق بين جميع دول المنطقة دون تهميش أي طرف.

وفي السياق ذاته يمكن أن ندرك بأنّ الخطوة المصرية التي احترمت حدود الجرف القاري الخاص بتركيا، وكذلك التحرك الإسرائيلي المشابه لهذه الخطوة، سيجعل اليونان مضطرة دون مهرب لفعل الشيء ذاته، أي الخنوع لمبدأ حسن النوايا. وكما أن تركيا لا تطالب بأكثر من حقها، فعلى الجميع في المقابل أن يطالبوا بأكثر من حقوقهم الخاصة.

من جانب آخر، تجدر الإشارة إلى أن مصر حينما أظهرت احترامها للجرف القاري التركي، فإنها أمام فرصة لاستعادة ما خسرته من حقوقها عبر الاتفاقية التي أبرمتها مع اليونان في شرق المتوسط. وبمعنى آخر، فإن مصر بهذه الخطوة لم تحترم حدود تركيا المائية فحسب، بل وضعت مصلحتها الخاصة أيضًا بعين الاعتبار.

وفي السياق ذاته، لا يكون مخطئًا إلى حد بعيد من يرى في هذه التطورات مؤشرًا على صفحة جديدة على صعيد العلاقات بين تركيا ومصر، والتي تعاني من أزمة مستمرة منذ 8 سنوات. حيث أن منطق العلاقات الدولية يعمل بطريقة مختلفة عن منطق العلاقات الشخصية. وبمعنى آخر، إن التعاون في أمر ما يصب في مصلحة الطرفين، لا يقتضي بالضرورة توافق هذين الطرفين في جميع القضايا والأمور.

ذكرنا سابقًا أن تركيا والولايات المتحدة على سبيل المثال، يسيران وفق منهجين متضادين متضاربين بالكامل تقريبًا في سوريا، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر حليفًا لتركيا في حلف الناتو وفي العديد من المجالات، إلا أنها للأسف تتصرف وفق سياسة معادية لتركيا سواء في سوريا أو العراق، حيث تدعم امتدادات منظمة بي كا كا الإرهابية في هذين البلدين، وتدخل في تحالف صريح معها ضد تركيا. وفي المقابل تقوم تركيا بشن عمليات متواصلة ضد هذه الامتدادات المدعومة بشكل رسمي وعلني من قبل الولايات المتحدة، ومع ذلك جميع هذه التضاربات لا تعيق وجود تعاون أو حوار ما بين البلدين في مجالات أخرى.

المثال ذاته ينطبق على روسيا، التي تبدو على نقيض تام مع تركيا في سوريا أو ليبيا، إلا أن ذلك في نهاية المطاف لا يمنع من وجود تعاون روسي تركي لإيجاد حل في سوريا، أو شراء تركيا بعض التقنيات الدفاعية من روسيا، أو بيع الأخيرة ذلك لأنقرة. والشيء ذاته ينطبق على إيران أيضًا بأمثلة كثيرة.

ولذلك يجب إعادة النظر في العلاقات مع مصر ضمن هذا الإطار. وفي النتيجة يجب أن لا يتم التضحية بالمصالح المشتركة بين البلدين، بسبب بعض المسائل الخلافية بينهما، التي لم يتم حلها أو لا يمكن حلها حتى.

أخيرًا، هذا التحرك المصري وما أعقبه من تصريحات المسؤولين في تركيا، يعتبر مؤشرًا على علاقة يمكن أن تسير وفق خط جديد وواقعي.

+

خبر عاجل

#title#