الدعاية - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

تعتبر الدعاية واحدة من أبرز الأنشطة المؤسسية للنظام السياسي في عصرنا الحاضر. وهذا النوع من الأنشطة في الواقع لا يتمتع باتساق إيجابي مع الحقيقة والواقع، بل إنّ الجانب المسيطر على هذه الأنشطة بالمجمل يقوم على مناقضة الحقائق وخداع الناس.

وكلما كان هدف هذه الأنشطة "الدعاية" هو التأثير على تفكير وتصرفات أكبر عدد ممكن الناس؛ كلما كانت أبعد عن مجال الحقيقة. ومع ذلك فهي تظل تسعى وراء إنتاج ونشر الرسائل التي تتمتع بأكبر قدر من التأثير على الناس. فهي لا تتردد في قول ما لا تؤمن بها، أو ربما دفعت أحدًا لقوله.

إن الخطابات الأيديولوجية إنما تواصل عملية تأثيرها من خلال الدعاية، لأنها لا تهدف إلا إلى خداع الناس أو توجيههم ضمن إطار معين. ولذلك فإن منتجي الدعاية لا ينتظرون في الواقع تصديقها، بقدر ما يركزون على الاستغلال والاستثمار الخاطئ في خطابات معينة أو حجج أو حقائق ما.

وفي هذا السياق، نجد أن بناء حزب الشعوب الجمهوري معارضته بشكل كامل على الدعاية، لا يتوقف على انسلاخه من الحقيقة فحسب، بل إنه في الوقت ذاته يعرّي طبيعة علاقته سواء بالناخب أو الشعب على حد سواء.

ولا نستغرب حينما نعلم أن فلسفة عصمت إينونو كمؤسس للشعب الجمهوري، والتي تقوم على النظر للشعب على أنه عدو؛ كانت تنظر على الدوام إزاء الناس على أنهم كائنات يجب دفعها وتوجيهها. ولذا فإن جميع الممارسات التي كان يفرضها الحزب بزعم أنها لأجل الشعب، كان يتم فرضها مسبقًا رغمًا عن الشعب ذاته.

كلما زاد المستوى الديمقراطي والمؤسسي، كلما شعر حزب الشعب الجمهوري بحاجته للدعاية من أجل التحايل على الشعب. والسبب في ذلك أن مهمة القيام بشيء رغمًا عن الشعب تصبح أكثر صعوبة، وكلما كان الأمر أكثر صعوبة كلما شعر هذا الحزب بحاجته الملحة لإقناع الشعب أو محاولة توجيهه. ولسان حاله يقول؛ لو أن هذه الديمقراطية لم تكن، كم سيكون إقناع الناس وتوجييهم أمرًا سهلًا، ولن يحتاج حينها إلى جهود إقناع أو توجيه.

إن نجاح حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ أكثر من 18 عامًا، في جميع المعارك الانتخابية واحدة تلو الأخرى، والنجاح في البقاء في الحكم طيلة هذه المدة، يعتبر استثناء في تاريخ الديمقراطية التركية من الضعب تكراره.

وهذا الاستثناء الذي حققه العدالة والتنمية ليس في تاريخ الديمقراطية التركية فحسب، بل حتى في تاريخ الديمقراطية الأوروبية كذلك. والأهم من ذلك هو أن هذه الاستثنائية لم تكن شيئًا يمكن تحقيقه من خلال الدعاية. لم يكن من الممكن تحقيقها سوى من خلالة إقامة وحدة هدف وإيمان فيما بين الحزب وبين الشعب والناخب.

إن حزب العدالة والتنمية الذي دخل عامه التاسع عشر من الحكم، من الطبيعي أن تكون لديه فجوات فيما بينه وبين الشعب على صعيد وحدة الهدف التي أشرنا إليها، وبالتالي من المفترض والبديهي أن تقوم المعارضة بملء تلك الفجوات بمستوى الإخلاص ذاته.

إلا أن حزب الشعب الجمهوري يبدو أنه لا يزال يتغذى على نفس التقليد والعادات السياسية ذاتها دون أي تغيير. لدرجة أنه اليوم لا يوجد أي مؤشر على أنه يملك قدرة على إنشاء علاقة جديدة وصادقة مع الشعب، لمواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم.

في الأيام القليلة الماضية حينما تم الكشف عن حقيقة تلك المرأة التي ظهرت وهي تعتلي منبر الشعب الجمهوري، وتشتكي من وضعها المعيشي بالقول؛ "أنا جائعة ولا أستطيع شراء الحليب لأحفادي"؛ تبين كم هي بعيدة عن مزاعم الفقر والجوع التي تدعيها، وتبين أن لديها ما يكفيها لشراء الويسكي فضلًا عن الحليب، وتبين أن ما قامت به ليس سوى استعراض.

هل كان من الصعب على حزب الشعب الجمهوري دفع أحد آخر للحديث، يعاني بالفعل من الوضع المعيشي، أو تدهورت أعماله خلال هذه الفترة؟ لا شك أنه يوجد شخص يعاني حقًا، ولا يمكن أن لا يكون موجودًا أصلًا، إلا أن مسارات الشعب الجمهوري لا تتقاطع أبدًا مع هؤلاء الناس.

إن هذا الاستعراض الفاشل يظهر إلى أي مدى فيه الشعب الجمهوري بعيد عن تجسيد معاناة الناس الذين يعانون حقًّا، إنه فاشل حتى في إنتاج مشهد ما وصنع دعاية له.

لا يزال حزب الشعب الجمهوري حتى اليوم يبدو كحزب نخبوي. إنه بعيد للغاية عن الناس الذين يعانون بحق من الفقر أو الأوضاع الاقتصادية في تركيا. ولا يمكن أن يمثّل هؤلاء الناس إلا من خلال ما يسمعه عن وضعهم وليس عبر معاينة وضعهم عن كثب، ومن ثمّ إذا أراد الحديث عنهم فإنما يتحدث وفقًا لتصوراته وخيالاته وآلته الدعائية. إنه لا ينظر إليهم ولا يتعامل معهم إلا كمادة يمكن أن توفر له مكاسب سياسية حسب ما تقتضيه مصالحه الخاصة.

لو كان حزب الشعب الجمهوري يملك علاقة عضوية مع هذه الشرائح من الشعب، أو كان يمثّلهم بحق، لكان اليوم أكثر فعالية وحضورًا. لقد بات تاريخ الشعب الجمهوري اليوم مليئًا بالقصص والحكايا التي تظهر أنه يعاني من فقر الخطاب السياسي، ومن الانفصال العضوي عن الجمهوري، بدءًا من قصة "زوجة المفتي"، وصولًا لقصة المرأة التي تشرب الويسكي ولا تجد نقودًا لشراء الحليب لأحفادها.

إن صانعي الدعاية لا يمكن لهم أن يعدوا الأشخاص الذين يستخدمونهم كمادة دعائية بشيء، ولا يمكن لهم أن يقدموا لهؤلاء الأشخاص أكثر من جعلهم مغفلين واستخدامهم كأدوات وقت الحاجة.

أما الذين يعتبرون مبادئهم أولوية قصوى في حياتهم السياسية، فلا يشعرون بأي حاجة للجوء إلى أي دعاية. حيث أن ما يخبرون به الناس عبارة عن أشياء قد آمنوا بها مسبقًا ويلتزمون بها ويطبقونها على أنفسهم أولًا.

حينما يصل الأمر إلى أن تسوّق لشيء أنت لا تؤمن به حقًّا، فإن أبسط ما يقال هو أنك قد وصلت إلى حالة من الذل تفرض عليك أن لا تنتظر شيئًا أو أي مكسب من هذه السياسة التي تتاجر بها.

لا شيء أسمى وأصدق وأكثر تأثيرًا، من ممارستك السياسة ضمن ما تؤمن به.

في ختام المقال "رسالة عزاء"

أدعو بالرحمة والمغفرة من الله العلي القدير للسيدة "ثروة صويلو" والدة وزير الداخلية سليمان صويلو، التي وافتها المنية قبل أمس، مع خالص التعازي وأمنيات الصبر للسيد صويلو وعائلته. جعل الله مكانها الجنة وفي أعلى عليين.

+

خبر عاجل

#title#