قناة السويس وقناة إسطنبول واتفاقية مونترو: الاستكشافات الجغرافية تنقلب على عقبيها. قوة ست دول إسلامية ستغير محور الغرب! - إبراهيم قراغول

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

قناة السويس وقناة إسطنبول واتفاقية مونترو: الاستكشافات الجغرافية تنقلب على عقبيها. قوة ست دول إسلامية ستغير محور الغرب!

لم يمثل إشغال سفينة بطول 400 متر قناة السويس لعدة أيام بعدما غرست في رمال القناة أزمة اقتصادية فحسب، بل أفضى في الوقت ذاته إلى أزمة جيوسياسية عندما أعلنت عن جبهة جديدة للحرب الكبرى التي تشهدها ساحة التجارة العالمية، وذلك حينما كانت 320 سفينة أخرى تنتظر العبور من قناة السويس وأخذ الجميع يحسب حجم الخسائر التي قدرت بعشرات المليارات. أما هذه الجبهة من الحرب الكبرى إنما هي مبنية على سؤال مفاده: من سيتحكم في طرق التجارة البرية والبحرية وممرات توريد النفط والبضائع؟

كنا قد ناقشنا كثيرا حروب الممرات الملاحية من خلال ممرات موارد الطاقة وأخبرنا بأنها لها أثر عميق في رسم ملامح خريطة قوى القرن الحادي والعشرين، والآن رأينا أن هذه الحروب بدأت تنتشر على مستوى ممرات التوريد والخدمات اللوجستية حول العالم.

كل القنوات والممرات تمر من الحزام الأوسط الإسلامي...

يشرف مضيق ملقا على ثلث حجم التجارة العالمية، كما تشرف قناة السويس على 10 من حجم هذه التجارة، وكلاهما مع الخليج العربي والبحر الأحمر والمضائق التركية يمثلون ممرات تجارية دولية حيوية.

تقع هذه الممرات التي ذكرتها ضمن البلاد الإسلامية التي تشكل محور العالم، أي "الحزام الأوسط". وهذا هو السبب الحقيقي لانقلاب مصر وحروب اليمن وشرق أفريقيا والأزمات التي لا تنتهي في الخليج العربي والتوترات التي يشهدها البحر الأحمر ومحاولات خفق تركيا في شرق المتوسط.

لكن للأسف فإن هذه الممرات تقع ضمن أراض دول ضعيفة، وبالتالي فإن هذه الدول تتعرض لضغوط ليسيطر آخرون على هذه الممرات. فالذين يمكسون بالقوة الاقتصادية والعسكرية عالميا يفعلون كل الأفاعيل كيلا يفقدوا هذه السيطرة، لذلك فإنهم يدمرون العديد من الدول لتحقيق هذا الهدف.

طرق التجارة الجديدة، العالم الجديد، البيئة الاقتصادية الجديدة، الدول القوية الجديدة

واليوم أضيفت ممرات جديدة إلى هذه الممرات التقليدية، أذكر منها على سبيل المثال "طريق الحرير" الجديد الذي يصل من الصين إلى تركيا، الممر الجديد الذي تشكل مع ذوبان ثلوج القطب الشمالي وأدى إلى نشوب أزمات بين روسيا وأمريكا وأوروبا، خطوط التجارة والمواصلات التي بدأت حديثا في أفريقيا، مشروع القناة البدلية لقناة السويس والذي تنفذه الإمارات وإسرائيل.

إن الدول المركزية تريد إعادة صياغة عالم القرن الحادي والعشرين، ولذلك فهي تخوض حروبا شرسة من خلال هذه الممرات الجديدة. كما أننا نشهد إعادة صياغة القوة والفعالية من خلال الموارد والممرات والأسواق؛ إذ تدور تصفية الحسابات بشعار "العالم الجديد، المنطقة الجديدة، البيئة الاقتصادية الجديدة، الدول القوية الجديدة".

الاستكشافات الجغرافية تنقلب على عقبيها

قوة ست دول إسلامية ستغير محور الغرب!

يتعرض الغرب حاليا لخسارة الامتيازات التي حصل عليها من خلال "الاستكشافات الجغرافية" واستمرت بحوزته لسنوات. أضف إلى ذلك أن صعود الشرق كقوة جديدة في غاية الديناميكية وملاحظة الدول الإسلامية التي تشرف على هذه المضائق والممرات الملاحية لقوتها واستثمارها في هذه القوة سيسلب الغرب مركزيته ومحوره، وهو ما يعتبر وضعية جديدة وخطيرة للغاية!

ولعلنا نرى في المرحلة الجديدة لاعبين مهمين جدد كتركيا بمضائقها وإندونيسيا وماليزيا بمضيق ملقا ومصر بقناة السويس وسيناء وإيران بالخليج العربي والسعودية بالبحر الأحمر.

إن استثمار هذه الدول القوة التي تمنحها إياها إشرافها على ممرات التجارة والاقتصاد الدولي قادر على جعلها القوى الصاعدة للقرن الحادي والعشرين. فيكفيها تنوير فكري لتنجو من الوصاية الغربية التقليدية للقرن العشرين.

احتمالية ظهور لاعبين مفاجأة على الساحة

من يشرف ويسيطر على هذه الممرات سيسطر كذلك على التجارة الدولية والعرض والطلب على الطاقة، وهو بالتالي ما سيضمن لهذه الدول تحقيق طفرة سياسية وعسكرية وثقافية كبيرة.

وربما نرى من هذه الدول صعودا مفاجئا وتحركات تغير دفة الأحداث في الصراع القائم بين روسيا والصين من جهة وامريكا وأوروبا من جهة ثانية للسيطرة على الممرات البحرية والبرية حول العالم. فهذه الدول تتمتع بالقوة والعقلية التي تجعلها تنجح في ذلل، بل ربما تحجز إحدى أو بعض هذه الدول لنفسها مكانا في مركز النظام الدولي الجديد للقرن الحادي والعشرين، وهو ما سيحدث بالفعل.

من يسارع لقراءة الأحداث سيكون أحد معماري المستقبل

لقد صارت هذه الصراعات الجيوسياسية الكبرى القائمة أصلا حتمية مع ظهور جائحة كورونا. فتغيرت الحسابات وانقلب كل شيء رأسا على عقب وتسارعت وتيرته. لذلك فإن كل دولة ستواكب هذا التسارع وتتحلى بالشجاعة وتحقق طفرة ذهنية وتنأى بنفسها عن الجدالات اليومية المدمرة وتضع لنفسها أهدافا كبرى ستكون إحدى الدول التي تبني المستقبل.

إننا نستشرف عمالا ستربح به كل دولة تدخل الساحة بأهدافها الخاصة بدلا من أن تلعب دورا في تحقيق أهداف الآخرين. ذلك أن الهيمنة الغربية التي تتحكم بالعالم وتستمر منذ قرون تتعرض لهزة قوية للمرة الأولى، ليتغير العالم حقيقة لا مجازا لأول مرة.

تركيا تقاوم حصارا داخليا وخارجيا وتقدم على خطوات كبرى

إن كل خطوة تقدم وستقدم عليها تركيا لمقاومة ما تتعرض له من حصار بالداخل والخارج ترسم وفق هذه الحسابات الكبرى؛ إذ إن تركيا تقدم على خطوات كبرى من خلال طفرة ذهنية استثنائية في وقت كشف فيه حادث جنوح سفينة في قناة السويس عملية تبدل محاور القوى التي يمر بها العالم. وهذا هو سبب تقع في مركز النقاشات الدائرة مؤخرا في الشرق والغرب.

ولعلنا نطلق وصف العقلية الإقليمية الحكيمة على ما فعلته وتفعله تركيا مؤخرا من تنفيذ تدخلات عسكرية جادة في الجنوب والشرق والغرب وإقدامها على كثير من الأمور في شرق المتوسط وبحر إيجة ووصولها حتى إلى ليبيا ومساعيها لتطبيع علاقتها مع السعودية ومصر.

أضف إلى ذلك أن خوض تركيا العديد من المبادرات الاستثنائية في كل المجالات وإقدامها بكل تصميم على خطوات التخلص تماما من أدوات الوصاية القديمة يعتبر استعدادا لمواجهة أزمات عالمية أكبر وأخطر بكثير.

مهما كلف الأمر لمواجهة من يخبرنا بأن نتنحى جانبا!

ستحجز تركيا لنفسها مكانا في مركز النظام الدولي الجديد مهما كلف الأمر. لذلك فإن إقدام تركيا على تنفيذ مشروع قناة إسطنبول الجديدة لعدم رغبتها في مواصلة الالتزام باتفاقية مونترو التي تحجّم سيطرتها على مضائقها يعتبر استعدادا لخوض غمار الصراعات التجارية واللوجستية العالمية.

وربما بمرور الوقت تحفر قنوات تصل بحر الخزر بالبحر الأسود وبحر الخزر بالخليج العربي، وربما نشهد مشاريع أكبر بكثير.

وفي ظل هذه الأحداث لن تصغي تركيا أبدا لمن يقولون لها "إياك أن تتدخلي في مثل هذه الأمور، بل تنحي جانبا!"

لعلهم يثيرون موجة إرهابية من أجل اتفاقية مونترو وقناة إسطنبول!

لقد رأينا كيف خططوا لإرهاب أحداث غيزي بارك وسعوا لجر تركيا نحو الحرب للحيلولة دون إنشاء مطار إسطنبول الجديد. فأجهزة الاستخبارات الأمريكية والأوروبية هي التي أدارت هذه الفعاليات الإرهابية.

لذلك ربما نشهد إقدامهم على إثارة موجة إرهابية مشابهة للحيلولة دون إنشاء قناة إسطنبول. فمن أجل اتفاقية مونترو سنرى الذين يتحدثون باسم بريطانيا وفرنسا وروسيا يسيطرون على الشوارع والصحف والقنوات الفضائية والأجهزة الإعلامية.

هناك من يقاومون تغير المفاهيم الأمنية والاقتصادية للعالم القديم، لذلك فهم سيحرضون أعوانهم داخل تركيا للتحرك، بل إننا نرى من الآن أن البعض زج بهم إلى الساحة لهذا الغرض.

ولو كان هؤلاء قد عاشوا عندما اقترح رجل الدولة العثمانية سوكلو محمد باشا شق قناة تربط بحر الخزر بالبحر الأسود لكانوا فعلوا الشيء ذاته، لأن الخيانة لا تتغير، فالعصور تتبدل لكن هذه الجينات لا تتبدل.

هناك محاولة احتلال أسوأ من 15 تموز! لا عليك بمن يقول "انظر أمامك"!

تتعرض تركيا لمحاولة احتلال أسوأ بكثير من أحداث 15 تموز. وهو ما يعتبر محاولة تضليل واحتلال ذهني. فالذين يطلبون منا أن "ننظر أمامنا" في الوقت الذي يعاد فيه إنشاء العالم ينفذون أخطر حصار من الداخل. لذلك فإن مكافحة هؤلاء "المحتلين الداخليين" يعتبر نوعا من أنواع كفاح الاستقلال.

إن تركيا تحاول تغيير كل الكيانات التي من شأنها تقييد محورها، وستنجح في ذلك، فهذا ملخص كل شيء؛ إذ إن القوالب الذهنية الغربية تقيد قدراتنا وتضيق الخناق على تفكيرنا وتصيغ نظرتنا للعالم من جانب واحد.

إن هذا هو السبب الرئيس للمقاومة الداخلية التي تتعرض لها الخطوات الكبرى التي تقدم عليها تركيا. وإن الخوف والأحكام المسبقة "الغربية" تسعى لكسر شوكة مقاومة تركيا، لكننا لن نسمح لها بذلك أبدا.

سنفعل كل ما يلزم

إياك والتراجع يا تركيا!

لن نرضى بعد اليوم بأن يضعونا في سياق الدولة الإقليمية الضعيفة، ولن نكون على الهامش مجددا في وقت يصاغ فيه العالم من جديد، ولن نكون جبهة أو حامية أحد.

لن يحدث ذلك أبدا مهما حاصرونا من الداخل والخارج ومهما حاولوا تنفيذ حصار ذهني، فلن تتراجع تركيا أبدا عن تخطي كل العراقيل التي تظهر في طريقها مهما كلف الأمر...

لقد تخطينا هذه العقبة ولن نرجع أبدا. إنهم ينفذون هجماتهم الأخيرة بآمال خاوية، لأن سادتهم يخسرون سيطرتهم على العالم، وهم كذلك سيخسرون بالداخل، لكن لعلهم يفقهون...

+

خبر عاجل

#title#