غياث الدين سيم: رحيل الصديق وجعٌ آخر - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

غياث الدين سيم: رحيل الصديق وجعٌ آخر

إن وفاة الصديق تختلف عن بقية الوفيات الأخرى، ربما تكون نوعًا من النذير المزلزل لرحيلنا نحن. هذا النوع من الرحيل يبدو وكأنه يأخذ قطعة من الإنسان، قطعة مهمة. ليس قطعة من حياة الإنسان فحسب، بل من جوهرها.

كلمة الصديق تأخذ هنا معنى فوق معناها الأصلي لدرجة تعجر حتى اللغة عن إيجاد تعبير مناسب.

صديقك شاهد على حياتك في الوقت ذاته، وربما تشعر أحيانًا أنك تعيش بالفعل من أجله أو من أجل أمثاله. كما أن نظرته لما تفعله وتمر به يعتبر ملهمًا لك في القيام بأمر ما أو عدم القيام به. تشعر من أعماقك أن هذا الصديق حاضر فيما تفعله وتقوم به، وكأن وحدة حال بينك وبينه، فيضحي العين الساهرة عليك والضمير المراقب لما تقوم به. بل إن الرابطة التي يتحدث عنها أرباب التصوف لها نصيب من هذا المعنى في الحقيقة. تلك الرابطة التي تكون على شكل علاقة دائمة مع الصديق الوليّ، أو لم يقل الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).

تستشعر بعين الصديق وأذنه في داخلك، يشهدان عليك، ويدعمانك ويقيانك ويراقبانك. لا سيما وإن كانت الصداقة مرتبطة بصداقة الله وفي سبيل حبه ورضاه. ما يجعلك مساءل بحق تلك الصداقة عما تفعله وتقوم به، فهناك عين الصديق التي تتطلع لإقرارها وإعجابها على الدوام.

على الرغم من صلة القرابة التي بيني وبين غياث الدين، إلا أننا لم نتعرف على بعضنا عبر تلك القرابة، ولم نعرف أننا أقرباء إلا بعد أن تعرفنا على بعض في أيام الثانوية، حينما ازدادت أواصر صداقتنا بشكل أكبر. وفوق ذلك كانت صلة قرابة أقوى بين أمي وأمه، فضلًا عن صداقة تمتد لأيام الطفولة بينهما. إلا ان صداقتنا القوية في الواقع كانت أبعد من صلة قرابة فحسب وأقوى بكل تأكيد. لدرجة أن صداقتنا كانت وسيلة لاجتماع أمهاتنا ببعضهما بعد وقت طويل من الانقطاع بسبب ظروف الحياة. إلا أن أمه سرعان ما رحلت إلى الرفيق الأعلى بعد معاناة طويلة مع مرض عضال، مما زاد من ألم صديقي غياث الدين الذي ترعرع يتيم الأب أصلًا، حيث توفي والده قبل أن يراه.

كان عليه أن يعمل خلال دراسته كي يعيل نفسه وإخوته في الوقت ذاته. عملنا سوية، وكان اضطرارنا للعمل خلال الدراسة أحد الأسباب التي جعلتنا أقرب إلى بعضنا، بل زادت من صلتنا وأضافت نوعًا من الشراكة على صداقتنا من وقت لآخر، كما أضاف كل ذلك بعدًا مختلفًا وعميقًا للغاية، فضلًا عن الذكريات الغنية التي لا تنتهي. ومع مرور الوقت شققت طريقي في المجال الأكاديمي، أما هو فقد اختار طريق التجارة.

لقد استطاع أن يحقق نجاحًا صعبًا للغاية، بفضل نهجه الخاص في التجارة، وخصائصه الذاتية في عالم إدارة الأعمال. كان يمتلك نجاحًا فريدًا بفضل شخصيته الفريدة. واللافت أنه ولفترة طويلة كان يقوم بجميع حساباته دون وجود محاسب، بل يكتفي بذهنه وذاكرته القوية. وعلى الرغم من أن الله رزقه ذاكرة قوية، فإن غياث الدين كان بعيدًا عن الجدال وتعقيد العمل عند حدوث اختلاف ما في الحساب، بل كان يقبل على الفور بقول الطرف الآخر ورعًا منه. ولم يكن عدم توظيفه محاسبًا في بداية الأمر من باب الترفع، بل سبب ذلك هو النشاط الشديد الذي يمتلكه لدرجة أنه لا يرغب في إضاعة الوقت بتفاصيل لا فائدة منها. وعلى الرغم من أن مشهد بداياته في العمل كان فوضويًّا في الظاهر، إلا أن اجتهاده القوي، وإخلاصه ونشاطه اللذان يتجاوزان قوة الشخص العادية، إلى جانب اتخاذه قرارات ذكية لية في أوقات حرجة ومعقدة؛ كل ذلك عوّض عن هذه الفجوة ومكنه من توسيع نطاق أعماله دون الوقوع في مشاكل خطيرة.

في نهاية المطاف ارتأى بقرار واعٍ أن يتجه نحو حسر أعماله، مما جعله يغلق بعض متاجره، وينقل ملكية بعضها لآخرين. كان يبرر هذا القرار بأنه يريد التفرغ لنفسه، وأن لديه من المكاسب ما يكفيه لوقت طويل، ويتساءل: إلى أين سنأخذ كل ذلك؟ هل يستحق الأمر أن نضني أنفسنا كل هذا العناء؟

بدأ حياته العملية بائعًا جوالًا في الشوارع، ومع مرور الوقت حقق نجاحًا فريدًا مكّنه من افتتاح ما يزيد عن مئة متجر، وتغذية جميع هذه المتاجر من خلال تصنيع وإنتاج خاص به غير مستورد، والأهم من ذلك أن حياة غياث الدين لم تكن مرهونة للعمل فحسب أبدًا، بل كان يعرف كيف يستمتع بمكاسب عمله وصرف جزء منها في سبيل الله. حاول أن يلبي حاجة كل من كان يصل إليه، وخصص وقته وجهده للاهتمام بالتيامى خاصة لتلبية احتياجاتهم ورعايتهم. ربما كونه يتيمًا كان دافعًا له كي يهتم باليتامى.

حينما قصدته منظمة غولن الإرهابية في وقت تحت ذريعة تقديم منح دراسية، رفض ذلك بأسلوب لائق، مبرّرًا ذلك باهتمامه الخاص باليتامى، كان يقول؛ "حينما كنت طالبًا عثرت على منحة دراسية بسهولة، لكنني حين كنت يتيمًا لم يطرق أحد بابنا. ولذلك فإن المبدأ عندي هو تقديم المساعدات لليتامى لا للمنح الدراسية". وعلى الرغم من أنه رفض طلبهم، إلا أن المنح الدراسية التي قدمها للعديد من الطلاب لا تكاد تحطى.

كان يساعد قدر استطاعته اليتامى والأرامل والمحتاجين ممن فقدوا منازلهم وذويهم بسبب الحرب ولجؤوا إلى تركيا. بل كان يقوم بملء سيارات النقل التي يملكها ويعمل بنفسه على إيصالها إلى المحتاجين.

وعلى الرغم من حجم أعماله الهائل، إلا أنه لم يستخدم قرشًا واحدًا من القروض التي تقدمها البنوك، ولم يستخدم يومًا ما الفائدة الربوية، ولم تكن تربطه بالبنوك أي صلة سوى تحويل الأموال فحسب.

كان منسجمًا في مجالس النقاش المختلفة، لكن حينما تأخذ تلك المجالس بعدًا فكريًّا جدليًّا كان سرعان ما يبدي عدم ارتياحه. كان يرى أن ما يريده الله منا واضح وأن الدين يسر، وان التعمق بشكل زائد يفتح باب الخلاف الذي لا طائل منه. اعتاد أن يعتمد موقفًا مفاده أن ما أفهمه كافٍ لإقامة أعمالي الصالحة، بل كان يسرع إلى عمل الخير أكثر من أي أحد. ولذا فقد كان بعيدًا عن التنطع والجدل، وكان زاهدًا في كثرة التنظير الذي يفقد صاحبه البوصلة ويجعله شاردًا غافلًا عن الهدف الرئيسي.

أصيب غياث الدين بفيروس كورونا، وظل يتلقى العلاج طيلة 15 يومًا تحت العناية المركزة. وفي الحقيقة كانت تلك الأيام بمثابة 15 عامًا، لشخص شديد النشاط مثل غياث الدين، لا سيما وأنه كان بعيدًا عن عائلته وأصدقائه وأحبابه.

بدأ غياث الدين حياته يتيمًا، وترعرع في فاقة وضنك، لكنه استطاع في النهاية أن يحدث فارقًا كبيرًا في هذا العالم. رحل بعد أن ترك لأولاده من بعده إرثًا معنويًّا عظيمًا قبل أن يكون إرثًا ماديًّا.

لعل المسؤولية التي تعق على عاتقنا في هذه الحكاية، هي أننا نشهد مخلصين على إيمان صديقنا الراحل، وإخلاصه وبره وعمله الصالح، اللهم فاشهد. رحمه الله رحمة واسعة لا تنتهي ولا تنضب.

+

خبر عاجل

#title#