دروس ابن خلدون حول فيروس كورونا (كوفيد-19) - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

دروس ابن خلدون حول فيروس كورونا (كوفيد-19)

لقد طغى وباء كورونا "كوفيد-19” الذي ابتليت به البشرية، على مفاصل حياتنا وعلى مستوى عالمي منذ اللحظة الأولى لظهوره، وبشكل غير مسبوق. وعلى الرغم من أننا بدأنا في التعود عليه إلى حد ما، إلا أن أرقام الوفيات التي يسجلها يوميًّا تفوق الأرقام التي سجلت في أكبر الحروب والكوارث.

والأسوأ من ذلك هو أن أعداد الوفيات المتواصلة طالما أنها لم تسلب عزيزًا علينا أو قريبًا منا، فإنها تبقى مجرد روتين يومي أو شيء مفروغ منه. إلا أن هذه الوفيات تسلب أعدادًا مهمة للغاية من النفوس مع مرور الوقت.

المفارقة في هذا الأمر هو أن أحداثًا مماثلة للعديد من الأوبئة وقعت بالفعل عبر التاريخ، وتسببت الوفيات الكبيرة الناتجة عن الأوبئة في تغيير الملامح السكانية، بل تسببت بانهيار دول ومدن ومجتمعات بالكامل، ونشوء دول جديدة، إلا أن هذه المتغيرات أو آثار الوباء التي تسببت بها لم تُسجّل على مر التاريخ كما هو المفترض، أو ربما سُجّلت لكن المجتمعات المتعاقبة نسيتها وأغفلتها مع مرور الوقت.

لا جدل حول تأثير وباء الإنفلونزا الإسبانية في انتهاء الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من أن الإنفلونزا الإسبانية كانت الشغل الشاغل للعالم أكثر من الحرب، لكننا نجد أن أحدًا لم يذكرها أو يتذكرها فيما بعد، على الرغم من أن نهاية الحرب ذاتها كانت بسبب تأثير هذا الوباء.

مثلًا، ربما الكثير ممن لا يزال يذكر اسم عالم الاجتماع العالمي ماكس ويبر الذي مات خلال الحرب العالمية الأولى، لكن بالكاد تجد أحدًا يدرك أو يذكر أن موته كان بسبب وباء الإنفلونزا الإسبانية.

حاولت في الحقيقة التوقف بإمعان حول الأسباب التي تقف وراء هذا التناقض المبهم، خلال مقال لي نشرته الأكاديمية التركية للعلوم (TÜBA) العام الماضي 2020، تحت عنوان "تشريح الوباء العالمي: مستقبل الإنسان والمجتمع".

وفي هذا الصدد ربما يكون من المهم أن نطلع على التقييمات التي أجراها ابن خلدون حول الآثار الصامتة للأوبئة على تغيير الهياكل الاجتماعية على مر التاريخ، لا سيما وأن ابن خلدون يعتبر واحدًا من الأسماء التي استطاعت النظر للتاريخ من الأعلى والتمعن بأحواله وعاداته، فضلًا عن أن ابن خلدون ذاته عانى هو وعائلته من إحدى الآوبئة في القرن الرابع عشر الميلادي.

فقد ابن خلدون أباه وأمه والعديد من أفرد عائلته بسبب الوباء، وكان يحاول في ذلك الوقت فهم الأحداث والتغيرات التي حصلت بسبب الوباء، وغيرت من ملامح عصره أواخر القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي).

يشير ابن خلدون إلى تبدل الحال وتغير الوضع بشكل تام في المغرب العربي الكبير، حيث يقول؛ "وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة (14 ميلادي) فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة، واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الأوطان، وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا"

ثم يتابع ابن خلدون كلامه على النحو التالي: "نزل بالعمران شرقًا وغربًا في منتصف هذه المائة الثامنة، من الطاعون الجارف، الذي تحيّف الأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، جاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وقل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتوادعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتفض عمران الأرض انتفاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن، وكأني بالمشرق الذي نزل به، مثل ما نزل بالمغرب، ولكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها. وإذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة وعالم محدث".

ويلفت ابن خلدون إلى أنه سيتعرض في مقدمته للحديث حول المتغيرات التي يتسبب بها الوباء على الخلق والأرض والأفراد والأمم والأحوال والأعراف والعادات والمعتقدات والمذاهب، وأنه سيسير في ذلك على النسق الذي رسمه المسعودي (330 هجري) في كتابه "مروج الذهب"، بما يتناسب مع عصر ابن خلدون. ثم يختم بالقول؛ "فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدلت لأهلها ويقفو مسلك المسعودي لعصره ليكون أصلًا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده".

لطالما كان ابن خلدون ينظر إلى التاريخ على أنه تنافس قوى أو تداول بين الأمم والحكّام/الدول، ولقد اشتهر في محاولة فحص الديناميكيات الأساسية، وكشف القوانين التاريخية التي يضخ لها هذا التداول. ومن الواضح أن ابن خلدون شعر بأثر الوباء الذي جعل حتى النهج النظري حوله عبثًا.

على الرغم من أن الوباء يبدو وكأنه عقاب على إنشاء المدن دون حساب أو مبالاة، أو مراعاة كافية للطبيعة والإنسان، فإنه في الوقت ذاته يقدم درسًا وعبرة لمن بقي، بأن هذا العمران الذي استغرق حياة الإنسان وجهده سرعان ما يتحول إلى عبث.

لا شيء يملكه الإنسان في الواقع من جيمع الأشياء التي جمعتها واكتبستها البشرية على الأرض، ودمرت بعضها بعضًا في سبيل السباق والتنافس عليها. نحن لا نملك حتى أجسادنا في الحقيقة، ناهيك عن الثروات والأراضي، وحينما تتدهور صحة الإنسان فجأة يدرك أن هناك جسدًا في داخله خارج عن إرادته ولا ينتمي إليه. لا يملك ذاك الجسد ولا ملايين التفاصيل التي تدور في داخله، فماذا تظن نفسك إذن أيها الإنسان؟

+

خبر عاجل

#title#