سياسة أزمات الفتن - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

يُنسب إلى الرئيس التركي التاسع سليمان دميرال، أنه قال؛ "إذا لم تقم بتضخيم قضية ما ولم تعترف بوجودها فلن تكون". لطالما كان هذا المبدأ في الواقع طريقة سياسية ماكرة للتغلب على العديد من القضايا الحقيقية، من خلال غض النظر عنها أو إسقاطها من أجندة الرأي العام وقطع الطريق عليها قبل أن تصل أصلًا. وهذا ما اتسم به الأسلوب السياسي لدميرال، حيث أدار العديد من القضايا الحقيقية والمهمة بالطريقة ذاتها لسنوات.

لكن هذا الأسلوب الذي يعتمد على تجاهل الأمور أو التظاهر بحلها أو عدم حلها على الإطلاق، سيتسبب بتفاقم القضايا المهمة بالفعل لتبدو كجبل يجثو فوق صدر الدولة، بل ربما تزداد تفاقمًا لتصير خطرًا يهدد السلم الاجتماعي. وهنا يكون الأوان قد فات حقًّا لأي محاولة نحو معالجة القضية أو حلها.

لكن في المقابل ربما تكون هناك بالفعل قضايا تُدفع من قبل أشخاص ما كي تتحول إلى قضايا رأي عام، أما التعاطي مع تلك "القضايا المصطنعة" وفق الأسلوب ذاته فلا يعتبر هنا سياسة غير فعالة أو غير مؤثرة. لأن إدراك أي مشكلة أو قضية يرتبط بالغالب بتعاطي الناس معها واهتمامهم بها.

يبقى الخيار السياسي خيارًا سياسيًّا فحسب، والديمقراطيات الحقيقية تضمن الحرية وحق الدفاع لأي خيار سياسي، طالما أنه لا يهدد سلام المجتمع أو لا ينتهك حقوق وحرية الآخرين. مثلًا، القومية أو عدمها هي مسألة حرية سياسية طالما أنها لم تتحول إلى عنصرية عدوانية.

قبل 20 عامًا كانت القضية الكردية في تركيا تمثّل أزمة حقيقية، حيث يتعرض الناس للأذية والإهانة والذل، مقابل عنف ممنهج من قبل الدولة. في ذلك الوقت، كان من المعتاد تجاهل هذه القضية بل وعدم الاعتراف بوجودها أصلًا، وكان من غير الممكن أن يصدر اقتراح من اليمين أو اليسار من أجل مراجعة أو تغيير هذه السياسة.

كان الوضع معقدًا، فلا يمكن لهؤلاء الناس أن يقولوا نحن أكراد، كما كان خطاب الدولة يتجاهل من يتحدث بلغة غير لغة الدولة، بل كانت تعاقب من يتحدث بتلك اللغة أصلًا، وهناك العديد من القصص المشهورة لأشخاص كانوا خلال زيارتهم لأقاربهم في السجون لا يتحدثون بأي كلمة بلغتهم، وبينما كانوا لا يجيدون اللغة الأخرى يضطرون للاكتفاء بمجرد نظرات فقط علها تطفئ نار الحسرة.

باختصار، لا يوجد مجتمع كردي بنظر الدولة، وبالتالي لا توجد إذن ما يسمى قضية كردية. لم يكن أي خطاب/حزب/فرد سياسي يتمكن من تقديم مجرد مقترح لتغيير خطاب الدولة. في المؤدّى هذه الظروف القاسية كانت في واقع الأمر مفيدة للغاية بل مصدر رزق أيضًا لبعض البؤر التي كانت تتاجر بالقضية الكردية.

حاولت منظمة بي كا كا الإرهابية العثور على أرضية تشرّع العنف والإرهاب، مبررة ذلك بأن السبيل لمناقشة أو حل هذه المشكلة داخل المجال السياسي غير ممكن. فاضطرت الدولة لاستخدام العنف ضد هذا العنف مما أدى إلى تفاقم المشكلة. لدرجة أن سياسات الدولة الخاطئة ذلك الوقت في مكافحة الإرهاب، تحولت إلى أكبر دعم لمنظمة بي كا كا الإرهابية، كما حوّلت بيئة الصراع التي استمرت 20 عامًا المشكلةَ إلى أزمة معقدة متعددة الأبعاد.

بعبارة أخرى، لم يعد هناك قضية كردية بمفردها فحسب، بل رافقتها أبعاد دولية كذلك، جعلت بعض أعداء تركيا يستغلون ذلك كورقة رابحة مهمة. كانت الدولة أمام إرهاب يهدد وحدة البلاد وسلامتها من جهة، وأمام مشكلة متداخلة مع ذلك من جهة أخرى.

بالطبع كانت لهذه المشكلة أبعاد اجتماعية واقتصادية كذلك. كان هناك من يتغذى على ذلك، سواء أمراء الحرب الأثرياء أو المافيات أو البؤر اللاقانونية التي كانت تحت سقف الدولة العميقة. لم يعد من الممكن إيجاد حل لما يسمى بالقضية الكردية دون التعامل مع جميع أبعاد القضية، ولأجل إيجاد حل ما كانت الحاجة ماسة لحكومة قوية تجرؤ على ذلك.

لقد وجدت حكومة العدالة والتنمية في نفسها الجرأة الكافة للسير في هذا الطريق. منذ البداية كانت بعيدة عن مفهوم تجاهل الأكراد وهويتهم أو حظر لغتهم وثقافتهم وهويتهم، ومنذ البداية ابتعدت حكومة العدالة والتنمية عن أن تكون مصدرًا للمشكلة.

وحينما كانت تتعاطى مع القضية بهذا النهج، كانت تحل بالفعل جزءًا من المشكلة. بل إن أهم تعقيدات القضية الكردية قد تفككت حينما صرّح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، في 12 أغسطس/آب عام 2005 من ديار بكر؛ "نعترف بالقضية الكردية، ونحن سنحلّها"، معلنًا بدء مرحلة جديدة.

لكن مع ذلك، كان الاعتقاد السائد بأن مشكلة "العنف والإرهاب" التي تعتبر إحدى أبعاد القضية، ستُحل بشكل سريع أو سحري، كان اعتقادًا خاطئًا ومغرقًا في التفاؤل. ذلك لأن أمراء الحرب والشرائح السياسية المنتفعة من هذا الصراع والعنف، كانوا غير مستعدين على الإطلاق لإنهاء المشكلة بوقت سريع. ولذلك السبب اعترض حزب الشعوب الديمقراطي ومن على شاكلته من السياسيين الذين يتاجرون بالقضية الكردية، إلى جانب منظمة بي كاكا بالطبع، اعترضوا على أي احتمال يمكن معه حل القضية الكردية وإنهاؤها.

ولذلك فمن الحق الطبيعي للرئيس أردوغان أن يقول الآن "لا يوجد الآن قضية كردية"، لأنه تعامل مع الأمر منذ البداية وفعل ما يجب لأجل حله. فلا يوجد أحد في تركيا اليوم يتعرض للإذلال أو الحرمان والتجاهل لأنه كردي، بل أزيلت كل العوائق التي كانت تحظر اللغة الكردية، وتم الاعتراف بالهوية الكردية من قبل خطاب الدولة على الوجه المفترض.

وفي المقابل نجد أن أكثر من اعترض وقاوم بشدة هذه الحلول هم القوميون الأكراد لا الأتراك، لأنهم باختصار يتنفعون ويعيشون على هذه القضية، ولذا فإن قبول أي احتمال للحل أمر صعب.

من الواضح للغاية من يستثمر اليوم في القضية الكردية، وما هو نوع الاستثمارات التي تمنحها الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية التابعة لـبي كاكا في سوريا. ولذلك نقول أن حزب الشعوب الديمقراطي أو منظمة بي كا كا الإرهابية؛ لم يكونوا يومًا ممثلين عن الشعب الأكراد، أكثر من تمثيلهم لمصالح الولايات المتحدة وخططها في المنطقة. ولو كانوا يمثلون الأكراد بالفعل لقدّموا إسهامات حقيقية خلال مراحل حل المشكلة والتعامل معها، في القضاء على الإرهاب. لكن نيتهم وخططهم كانت مختلفة عن ذلك، وبالتالي تعاملهم مع المشكلة كان مختلفًا.

ليس من الصعب في الواقع فهم ما يريده رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو من إحياء هذه القضية الآن، في بيئة اُعتمد فيها النهج الأكثر صحة اليوم، وحيث توشك جميع الأبعاد المصطنعة للقضية على الانتهاء.

كل ما في الأمر هو أن كليجدار أوغلو يريد لعق أصبعه والاستفادة من ذلك بطريقة ما، فهو منشغل بذلك دون أن يدرك أن هذه القضية التي يحاول إشعالها دون ضرورة ستكون فتنة تلتهب نيرانُها الشعبَ الجمهوري قبل أي أحد.

+

خبر عاجل

#title#