المستحيل الذي تريده أكشنار والقضية الكردية التي يقتاتون عليها - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

المستحيل الذي تريده أكشنار والقضية الكردية التي يقتاتون عليها

إعلانُ حزب الشعوب الديمقراطي المكون من 11 مادة حول موقف الحزب مما قبل وما بعد انتخابات 2023 القادمة، إلى جانب إعلان زعيمة حزب الجيد ميرال أكشنار؛ أظهرا أن هناك انصياعًا لدعوات التعافي السياسي الذي يفوق بحجمه قدرات كل فرد من تحالف الشعب المعارض.

من المعلوم أن إصرار أكشنار في السابق على الترشح لمنصب الرئاسة كان يعتبر إلى حد كبير بمثابة كسر لقواعد اللعبة داخل التحالف مما يصعّب بدوره من الحفاظ على الحسابات. لكن أكشنار اليوم عدلت عن ذلك لتعلن رغبتها في الترشح لمنصب رئيس الوزراء لا رئيس الجمهورية، إلا أن هذا المطلب بحد ذاته يبدو مستحيلًا ولا يمكن أن يحدث ولن يحدث، حيث لا يوجد منصب "رئيس وزراء" ضمن النظام الرئاسي الجديد الذي أقره الشعب التركي باستفتاء 2017.

ولنفترض أن مرشح تحالف الشعب المعارض هو من فاز بالرئاسة، فسيكون من الصعب للغاية أن يمهد الطريق لعملية تسمح بالانتقال للنظام البرلماني، بل حتى ولو لم تكن صعبة فإن المرشح الفائز بالرئاسة ضمن النظام الرئاسي لن يقبل أصلًا الرجوع للنظام البرلماني. والسبب بسيط، وهو أن رؤساء الأحزاب السياسية الذين لا يقبلون بأن يشاركهم أحد في سلطتهم داخل حزبهم، بل ويزيدون من مركزيتهم يومًا بعد يوم لا يمكن أن يتخلوا عن السلطات الرئاسة -لو فازوا في الاتنخابات الرئاسية-، هذا مستحيل.

ولذلك فإن قبول أكشنار الصريح بأمر مستحيل لا يمكن حدوثه، يجسّد مشكلة خطيرة للغاية تتعلق بمعيار "الشفافية في السياسة" الذي نطلبه على الدوام. ولنتذكر حينما كانت أكشنار تصدح أمام الجميع باستمرار وتقول أنها ستصبح رئيسة للوزراء في 15 يوليو/تموز (2016)، كانت تتحدث في ذلك الوقت أيضًا عن أمر مستحيل أيضًا، وحينما جاء هذا التاريخ الذي تحدثت عنه أكشنار لم تصبح رئيسة وزراء، بل شهدت تركيا محاولة انقلاب فاشلة فحسب. كانت أكشنار تتحدث عن شيء مستحيل، لأنه لم تكن هناك مؤشرات معقولة يمكن أن تسمح لها بذلك دون وجود انتخابات وما شابه، بل كان السبيل الوحيد هو حدوث وضع استثنائي مثل محاولة الانقلاب التي حدثت بالفعل لكن لم تنجح. وبالتالي؛ أليس من حق كل مواطن تركي أن يسأل نوع الخطة الغامضة وراء هذا التاريخ "15 يوليو" الذي طالما تحدثت عنه أكشنار؟

لطالما يقودنا تفسير المستحيل إلى تفسير عبثي. لذلك من الأفضل التوقف عند هذه النقطة، والرجوع من جديد إلى الإعلان الذي صدر عن حزب الشعب الديمقراطي مؤخرًا فيما يتعلق بانتخابات 2023 القاامة.

على الرغم من أن الشعوب الديمقراطي أعطى انطباعًا من خلال هذا الإعلان المكون من 11 مادة على أنه يلعب على وتر منفصل مع تحالف الشعب المعارض، إلا أن انطباعًا بأن الإعلان أراح تحالف الشعب. لكن بصرف النظر عن ذلك، نجد ما هو أهم من هذا الجانب، وهو ان الشعوب الديمقراطي تحدث عن وضع إطار للسياسات العامة للحزب عبر هذا الإعلان.

في الواقع، ينبغي الترحيب بكل خطوة يتخذها أو سيتخذها حزب الشعوب الديمقراطي نحو أن يكون حزبًا لتركيا لا عليها. حيث أن الإصرار على أن تكون حزبًا لمجموعة عرقية فحسب لن يفيد سوى في مزيد من الخصومة، بل ويزيد من مستوى العنصرية والتعصب والانغلاق عند كافة الأطراف.

إذا كان هناك مشكلة قومية حقيقية في تركيا اليوم، فلا يمكننا تجاهل حقيقة أن القومية الكردية هي أحد أكبر المساهمين في ذلك. لكن بالطبع دون تجاهل أن سياسات الإنكار والحظر والاستبعاد تجاه الأكراد لسنوات غذّت هذا النوع من القومية. إلا أن هذه السنوات أفلت منذ وقت واستقر الوضع في تركيا على وضع طبيعي معين.

لقد وصلت تركيا خلال السنوات العشرين الماضية إلى مستوى معين من "الوعي العرقي" لم يكن من الممكن تصوّره من قبل. اعترفت الدولة بالتعددية الثقافية العرقية في تركيا، وأخرجتها من دائرة التعقيد التي كانت فيها. كما ألغت الدولة السياسة السابقة التي قامت على مبادئ طفولية وبدائية، واستبدلتها بسياسة الاعتراف السياسي والاحتضان الاجتماعي.

لكن المثير للاهتمام في الواقع هو أن أكثر المنزعجين من ذلك كان منظمة بي كا كا الإرهابية، وامتدادها السياسي، حيث كانا يقتاتان على هذه القضية مبررين ذلك بسياسة الحظر والإنكار التي كانت تسلكها الدولة سابقًا.

وصلت تركيا إلى مرحلة لم تعد فيها قضية العرق مشكلة خطيرة. ولذلك فإن الدولة قبل تلك المرحلة حينما كانت تنكر وجود مشكلة كردية؛ إنما كانت تنكر وجود الأكراد في الواقع، لكن حينما تغير حكم الدولة وباتت تتعرف بالأكراد وهويتهم، ورفعت عنهم سياسة الحظر والإنكار والضغوط، يات من حقها القول بعدم وجود مشكلة كردية، فهي لا تعني من ذلك سوى الافتخار بأنها هي من حلت تلك المشكلة التي كانت من تركة الماضي.

في إعلان الشعوب الديمقراطي المذكور، يتضح بشكل يغني عن الشرح أن الحزب يريد القول بأن أهم مشكلة في تركيا هي القضية الكردية، ولذا فمن الواجب حلها بعيدًا عن استهداف كتلة سياسية بعينها إلخ. بالطبع لا يمكن لأحد أن يعترض على ذلك طالما أنه في حدود النقاش والحوار السياسي، لكن حينما يقول الحزب خلال إعلانه بأن طريق الحل هو "التفاوض لا السلاح"، فهنا يتحول معنى ومقصد وهدف كلام الحزب لهكله لشيء آخر مختلف.

إن الدولة في تركيا تتحدث بالسلاح مع التنظيمات الإرهابية المسلحة، وتتحدث بالسياسة بالطبع في ميدان السياسة. ليس من السهل على الإطلاق تمرير الحسابات السياسية التي تحاول شرعنة تنظيم إرهابي مسلح مُنح في السابق فرصة لا يستحقها وجلس على طاولة المفاوضات كطرف لحل ما يسمى بالمشكلة الكردية.

لم تستغل منظمة بي كا كا الإرهابية تلك الفرصة، ولذا فهي اليوم تُعامل باللغة التي تفهمها وتستحقها، فهي من اختارت ذلك بسبب جشعها. ولو كانت تملك هذه المنظمة ذرة من الإخلاص لكانت استغلت بالفعل الفرصة التي أتيحت لها لحل مشكلة مزمنة منذ عشرات السنين، من أجل تحقيق السلام والديمقراطي، ومن أجل مصلحة الشعب الكردي قبل أي شيء. لكن منظمة بي كا كا الإرهابية اختارت مواصلة إجرامها من خلال صنع درع بشري من الأكراد وما تدعيه من مشكلة كردية.

من الواضح أن الشعوب الديمقراطي من خلال إعلانه الأخير، لا يزال يصر على التذرع بما يسميه المشكلة الكردية، من أجل فتح الباب التفاوضا من جديد مع منظمة بي كا كا الإرهابية، وجعلها محاورًا سياسيًّا.

بعد القدر الكبير من الانفتاح الديمقراطي على الحل من قبل الدولة وما بذلته من جهود واسعة في سبيل ذلك، يتعين اليوم على حزب الشعوب الديمقراطي أن يكشف بشكل أوضح عما يريده ويطلبه نيابة عن منظمة بي كا كا. ما هو الشيء الذي لم يتم حله في القضية الكردية، ولماذا يحتاج الشعوب الديمقراطي إلى منظمة بي كا كا لحل ذلك؟

هل بقي خيار أمام منظمة بي كا كا الإرهابية سوى حصول تقسيم من شأنه التمهيد لتأسيس دولة؟ هل هذا ما يريده الشعوب الديمقراطي؟ أين ما يزعمه إذن من كونه حزبًا لتركيا؟

+

خبر عاجل

#title#