دوامة الإرهاب - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

كان فندق "النهر الخالد" المملوك لعائلة القواسمة في مدينة الخليل بفلسطين، يعتبر أفخم وأنظف منشأة سكنية في الخليل خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

، كان الفندق وجهة السياح العرب والغربيين على حد سواء، أما في فصل الصيف فقد كان في الغالب من نصيب أثرياء الأردن، حيث يجدون في مدينة الخليل الهواء الجاف والنظيف كملجأ يهربون نحوه من حرارة الصيف ورطوبته. حتى أن بعض الأردنيين كانوا يقضون الصيف كله في الخليل مقيمين في هذا الفندق طيلة تلك المدة.

إلا أن الاحتلال الإسرائيلي لضفة الغربية بالكامل بما في ذلك مدينة الخليل، نتيجة حرب الأيام الستة عام 1967، تسبب في إيقاف تدفق الزيارات إلى الفندق بشكل كبير. مما دفع صاحب الفندق فهد القواسمة وعائلته إلى ركود اقتصادي كبير، كما وقع تحت وطأة الديون بسبب النفقات التي صرفت على الفندق من جهة، وإلغاء الحجزات من جهة أخرى.

لكن بعد 10 شهور من الاحتلال الإسرائيلي، في 12 أبريل/نيسان عام 1968، أصيبت إدارة الفندق بالذهول حينما دخلت مجموعة ضخمة من السياح السويسريين إلى بهو الفندق، جميع من كان يعمل في الفندق أصيب بالذهول من عدد الضيوف لا سيما بعد فترة طويلة من الركود.

كانت تلك المجموعة التي قالت أنها من سويسرا تتألف من 60 شخصًا ما بين رجال ونساء وأطفال، مع حقائب وصناديق ضخمة بالكاد استوعبتها ممرات الفندق الضخمة. كان المشهد مثيرًا للدهشة والفضول ويوحي بوجود لغز أو خطأ ما، لكن أصحاب الفندق لم تكن لديهم الإرادة ولا الوقت للتحقق من الأمر بشكل مفصل.

نظرًا لعددهم الكبير، لم يكن هناك متسع في الفندق يستقبلهم جميعًا، فتشارك النساء مع الأطفال في الغرف، بينما لجأ الرجال للأسرّة التي وضعت في الردهة والممرات. أما صاحب الفندق فقد كان ينظر لهذا المشهد بدهشة وفضول. لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة!

كان هذا الحشد الذي انتحل صفة "سياح سويسريين" عبارة عن مجموعة من اليهود، يقودهم حاخام يدعى موشيه ليفينغر. حصلوا على إذن لقضاء عيد الفصح في الخليل، من الجنرال الإسرائيلي عوزي ناركيس الذي كان مسؤولًا عن مدينتي القدس والخليل.

على الرغم من أن الإذن الممنوح من ناركيس كان يومًا واحدًا فقط، إلا أن الأثاث والمتعة التي أحضروها معهم كانت توحي بأنهم عازمون على الإقامة مدة أطول.

في اليوم الثاني 13 أبريل/نيسان (1968) أعلن الحاخام ليفينغر بأن لا نية لديهم في مغادرة مدينة الخليل، وأنهم سيعيشون فيها من الآن فصاعدًا.

أما صاحب الفندق فهد القواسمة، فإنه لجأ إلى رئيس بلدية الخليل آنذاك محمد الجعبري، حينما فشل في طرد المستوطنين من الفندق. ليكتب الجعبري إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول عن التوتر الحاصل في المدينة بسبب ذلك، لكن دون أن يسفر هذا الكتاب عن أي نتائج.

كانت الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف عما يجري في الخليل، بل كانت تدعم في السر الحاخام ليفينغر وتشد على يده.

بعد أسابيع من التوتر والأخذ والرد، استقر الحاخام ليفينغر ومن معه في منشأة عسكرية تقع بالقرب من مركز مدينة الخليل. مما فتح بدوره الطريق أمام أول استيطان يهودي في الخليل، ومن ورائه حركات استيطانية مشابهة في السنوات القليلة اللاحقة. ولم يمض عامان حتى أقام اليهود أول مستوطنة يهودية في الخليل عام 1970، تعرف اليوم بـ"كريات أربع"، سرعان ما تسارعت وتيرة بناء المنازل فيها يومًا بعد يوم من ذلك الحين.

بالطبع لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. في عام 1979 قامت ميريام زوجة الحاخام ليفينغر المولودة في نيويورك، مع مجموعة من النساء الصهوينيات المتعصبات باحتلال مبنى وسط مدينة الخليل، من أجل الاستقرار فيه، مما تسبب في تصاعد التوتر في المدينة. وعلى إثر ذلك قامت منظمة التحرير الفلسطينية بقتل 6 طلاب يهود في 2 مايو/أيار 1980، الشيء الذي أدى لتحويل ملكية المبنى للمحتل الذي سيطر عليه، واعتراف إسرائيل بهذا الأمر الواقع.

على الرغم من أن الحاخام ليفينغر توفي عام 2225، لتلحق به زوجته عام 2020، إلا أن "دوامة الإرهاب" التي أطلقوا شرارتها الأولى ورثتها الأجيال الصهيانية من بعدهم، وإن هذه الدوامة لا تهدد فلسطين والفلسطينيين فحسب، بل تهدد إسرائيل كذلك.

يعيش في الضفة الغربية اليوم نحو 500 ألف مستوطي يهودي، بينما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها زاد بنسبة 42% منذ عام 2010.

تتجه سياسة الاستيطان التي تنتشر خطوة بخطوة مثل الخلايا السرطانية وتنشر الاحتلال، نحو أن تكون من أكبر الأزمات على المدى القريب، الأزمات التي تسبب بها الاحتلال.

إن الكتلة الهائجة الجامحة التي لا ترضى ولا تفتر ولا يمكن السيطرة عليها، ولا ترتدع عن سياسة الضغط والمهاجمة والإيذاء والاعتداءات، تزيد من حجم التدهور داخل البنية الاجتماعية لإسرائيل. ولا شك أن هذه الحقيقة يراها المجتمع الدولي بأسره، لكن دون أن يعبر عن ذلك بشكل علني.

سيكتب مؤرخو المستقبل حينما يتناولون المغامرة الإسرائيلية لاحقًا، أن المستوطنين اليهود وسياسة الاستيطان كانا على رأس العوامل التي سرّعت من انهيار هذا الكيان.

+

خبر عاجل

#title#