كي لا تسقط قلاع الفكر الحر - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

يصف الراحل "جميل مريتش" المجلات بأنها "قلعة الفكر الحر"، خلال مقارنتها مع المطبوعات الأخرى مثل الكتب والصحف. كان يرى بأن "الكتاب جدّي أكثر من اللازم، والصحيفة غير مسؤولة بشكل أكثر من اللازم. الكتاب كتلة صامتة من الحماس أو ما يشبه تفكّر المومياء إن صح التعبير. الكتاب خارج الزمن، والصحيفة هي اللحظة ذاتها. يكبر الكتاب ويعيش معكم، وتنتهي الصحيفة بمجرد قراءتها. أما المجلة وإن كانت أعدادًا لكنها وجبة فكر يانعة وطازجة. في غالب الأحيان يكون الكتاب أثرًا او صدى فكريًّا لفرد واحد فقط من الناس، أما المجلة فهي مجتمع من المفكرين. المجلة هي وصيّة جيل كامل، بل هي رسالة هذا الجيل بالأحرى. أن تطوي مجلة صفحاتها فهذا يعني خسارة حرب؛ هزيمة أو انتحار".

ربما يكون هذا الوصف لروح المجلة وماهيتها وفعاليتها هو الأفضل على الإطلاق، فما أجمله من تعبير وما أدق وصفه لحال المجلات، وهو يحكي لنا "المصير الحزين للمجلات".

يتابع الراحل مريتش فيقول؛ "يعيش معظمها لموسم واحد، مثل الزهور. الأكثر حظًّا منها يحظى بفرصة مخاطبة جيل كامل. أما المجلات القديمة فهي مقبرة بلا زوّار، أو خزائن ضاعت مفاتيحها. فلا أحد يسأل عن الذكريات التي تتخلل صفحاتها أو عن الآمال والعواطف التي تختبئ بين ثناياها".

لم أستطع منع نفسي عن الاقتباس مما قاله في هذا الصدد، لكنني سأكتفي بذلك لعل أحدًا يأتي فيكتب المزيد عن وضع أو موقع المجلات في حياتنا الثقافية والفكرية، أو يُكمل ما بدأ به الراحل مريتش على الأقل.

كان هدفي في الأصل هو التحدث عن يوم المجلة الدولية الثاني عشر لهذا العام. ولقد كان معرض المجلة الدولية الثاني عشر والذي أقيم في محطة "سيركجي" من أكثر الفعاليات معنى ومغنى بالنسبة لي.

ويمكن القول أن الفعالية بوصولها للعالم 12 على التوالي فقد أنشأت لنفسها وضعًا خاصًّا وتقليدًا بدرجة كافية. إضافة لذلك فإن هذه الفعالية بيومها الثاني عشر تأتي بعد رحيل أحد روّادها وهو عاصم غولتكين العام الماضي. حيث كان يشرف على تنظيمها منذ أول عام انطلقت فيه حتى وفاته، ولذا فإن الفعالية التي انطلقت الأسبوع الماضي كانت علامة أفول هذا الاسم البارز عن تنظيمها ورعايتها لينقل المهمة لمن بعده.

ومن الجميل والمفيد أن الفعالية انطلقت هذا العام باسم "عاصم غولتكين" تخليدًا لذكراه. ولذلك فلا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لاتحاد المجلات الدولية، ولبلدية الفاتح معًا.

بالطبع نحن معتادون بحكم الواقع على معارض الكتاب التي تنظّم كل عام ويلتقي فيها الكتّاب مع قرائهم وتشهد إطلاق كتب جديدة وما شابه من تفاصيل باتت روتينًا في حياتنا الثقافية، لكننا إلى الآن لم نعتد بالمستوى ذاته على معارض المجلات أو تخصيص يوم لها كل عام، أو تخصيص مكان يحتض مجتمعًا من الكتّاب والقراء. ولذلك السبب حينما دعاني الراحل عاصم غولتكين للمرة الأولى لفعالية خاصة بالمجلة، لم أستطع أن أخفي دهشتي وتقديري لذلك في الوقت ذاته. وبالطبع لم أجب دعوته من قبيل اللباقة فحسب، بل بدافع الحماس والفضول. ولقد أذكر جيدًا كم كنت معجبًا ومتأثرًا للغاية خلال زيارتي لتلك الفعالية رفقة الراحل غولتكين.

تمامًا كما يصف الراحل جميل مريتش المجلات بأن كل واحدة منها مدرسة فكرية. هي مدارس تدرّب كتّابها قبل قرّائها، وهي دوحة تزدهر فيها الأفكار بكامل حريتها، وهي ساحة تجمع بين الكاتب والمتلقي في موعد محدود (عدد المجلة)، وحين يحين هذا الموعد فلا بد أن تصدر إذن، فلا شك أن هناك من ينتظرها قل عددهم أو كثر. يمكن وصف ذلك بأنه عقد ضمني بين مجموعة من الكتّاب والقرّاء، جميعهم متشوقون حول ما كُتب وما الذي سيُقرأ. ولا شك أن الولاء الثنائي في هذا العقد هو أحد العوامل المهمة التي تحدد عمر المجلات.

منذ طفولتي خضت ترجبة رائعة في الاحتفاء والاهتمام بالمجلات كما الكتب، حيث كانت إحدى القنوات المهمة في حياتي الفكرية. ولطالما شعرت بهذا العقد الضمني مع المجلات التي كنت أتابعها من فكر وسياسة وأدب وفكاهة.

وجاء اليوم الذي بدأت فيه مع أصدقائي بإصدار مجلة "تذكرة" عام 1991. ولا أزال أحاول تقديم الدعم والمساهمة للمجلة ملتزمًا بالوعد الذي قطعناه منذ اليوم الأول، في سد الخلل الذي حددناه في مجال الفكر الإسلامي على صعيد الاستمرارية والعمق. وها قد مضت 30 عامًا ولا تزال مجلة تذكرة تشعر بالمسؤولية على عاتقها في سد هذا الخلل، وهي الوقت ذاته باتت حقًّا بمثابة معقل للفكر الحر. إلى جانب ذلك قدمت إسهامات في مجلة "الملل والنحل" ومجلة المجتمع المدني، والعديد من المجلات الأخرى، وسأواصل ذلك.

يكفي أن نعلم بأن 315 مجلة احتضنها المعرض الأسبوع الماضي، صدرت عن دار بيان للنشر للأستاذ إحسان سريّا صرما. كل واحدة من هذه المجلات الـ305 مدرسة بذاتها، وقلعة فكرية لوحدها. ألا يعتبر مجرد التفكير بذلك مثيرًا؟ وبالطبع لكل مجلة قصة مختلفة وعالم مختلف.

بعض المجلات تصدر بصعوبات مالية كبيرة في ظل ظروف صعبة، وبعضها الآخر تصدر بإمكانيات كبيرة وأسلوب احترافي يحظى بدعم الجمهور. ولذا فإن الصعوبات وعدم توفر الإمكانيات تندرج في ضوء التجربة العامة لنشر المجلات. ولذلك نجد أن الذين يدخلون هذا اعلم المجلات إنما يضعون نصب أعينهم صعوبات بالغة، لكن مع التضحيات التي يتم بذلها للتغلب على هذه الصعوبات سرعان ما يبعثون الحياة في المجلة. أما المجلات التي تصدر بأسلوب احترافي وبدعم جيد فلا يأتي منها الكثير في الواقع، وحينما يتوقف الدعم فجأة فلن يتذكرها أحد، حتى وإن تذكرها فإن نقطة الدعم الذي تحصل عليه سيتخلل صفحاتها.

قبل أن ازور المعرض البوع الماضي، كنت أقول سأمر ساعة ثم امضي، لكنني لم أتمكن من الخروج قبل 4 ساعات، حيث لا يمكن للزائر أن يمر سريعًا دون أن يتوقف عند كل ركن من أركان المعرض. لا سيما وأن جلسات الحوار التي كانت تنعقد عند كل ركن تعتبر قيمة منفصلة بمفردها.

ما لفت نظري أيضًا المجلات التي صدرت عن بعض طلاب الثانوية، حيث لا يمكن أن تلحظ فيها نوعًا من البدائية أو البساطة، ولقد أعجبني ذلك بشكل بالغ. كالمجلات التي صدرت بأكثر من لغة عن ثانوية "كارتال للأئمة والخطباء"، وبالأحرى "مجلة السيرة" التي صدرت عن ثانوية محمد أمين سراج للأئمة والخطباء، فقد كانت فكرة ذكية للغاية، وتجربة أصيلة في محاولة تحديث كتابة السيرة. ولا شك أن الطلاب الذي عكفوا على إصدار هذه المجلات قد تشكلت لديهم خبرات علمية وتربوية لا تقدر بثمن.

يبدو أن قلاع الفكر الحر لن تبقى دون حراسة.

+

خبر عاجل

#title#