من خيوة إلى بخارى - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

منذ شهور عديدة من الانقطاع، شهدت مدينة خيوة بأوزبكستان الأسبوع الماضي أول صلاة جمعة جامعة يصطف فيها المصلون جنبًا إلى جنب ضمن صفوف طويلة.

بينما كنا نجلس في باحة المسجد المغطاة بالسجاد، كان الإمام يخطب بالمصلين بلغة مفهومة ونطق مميز. من الممكن بسهولة أن تستشف مدى وضوح لغته العربية من خلال نطقه الصحيح للآيات والأحاديث التي كان يقرؤها خلال الخطبة. كذلك قراءته القرآن خلال الصلاة فقد كانت بلغة نقية للغاية.

كانت خطبة الجمعة من أقصر الخطب التي حضرتها على الإطلاق، لم تتجاوز 5 دقائق بما في ذلك من الحمد والصلوات والتسبيح.

عندما انتهت الصلاة وقمنا، كان الشيء الذي دار في أذهاننا وورد على ألسنتنا واحدًا، حيث قلنا جميعًا؛ "الحمد لله، أخيرًا تمكنّا من أداء ثلاة الجمعة مع المصلين".

لا شك أن ظروف الوباء فيروس كورونا قد أثرت على أوزبكستان والعالم بأسره. حيث شهدت أوزبكستان إغلاقًا كاملًا خلال الشهور الأولى، لكنها دخلت في انفتاح تدريجي. لكن مع ذلك تظل بعض القيود تمنع من عودة الوضع لسابق عهده.

من الواضح مثلًا أن تعويض الخسائر التي شهدها قطاع السياحة تتطلب وقتًا طويلًا لا بأس به. ولقد كانت هذه الخسائر واضحة للغاية في زيارتي الأخيرة لمدينة خيوة، مقارنة مع زياراتي السابقة لها حين كنا نكاد نضيع وسط حشود من الناس.

كانت مجموعتنا التي تبلغ 40 فردًا فقط، تكاد تكون المجموعة السياحية الوحيدة في هذه المدينة التاريخية. كنا نرى أجانب أيضًا من وقت لآخر، لكن الشوارع كانت فارغة بشكل عام.

كان أصحاب المتاجر إلى جانب الباعة المتجولين يضطرون لإغلاق أشرعتهم حتى قبل أن تغرب الشمس.

كان المشهد بمثابة جولة صفاء تمنح الضيوف الأجانب فرصة الاستمتاع لمعالم المدينة التاريخية بهدوء، لكنها في المقابل كانت تعني وضعًا مزعجًا لأصحاب المحال وأهل المنطقة الذين يعيشون على السياحة.

خلال التامل في المدينة القديمة "قلعة إيجان" التي تتربع على الأسوار الجنوبية والغربية لمدينة خيوة، كان الصمت يسود بشكل تام لدرجة أنني شعرت للحظة ما وكأنني في مكان مهجور خصص لتصوير الأفلام.

قضينا يومين كاملين في خيوة قبل أن نتوجه إلى بخارى. تجولنا خلال هذين اليومين في كل شوارع خيوة تقريبًا، وحول أسوارها، وتفحصنا بفضول صفحات تاريخها المختلفة التي كانت مليئة بالمؤامرات والمغامرات.

كان التوجه إلى بخاري في الصباح الباكر من يوم الأحد أصعب محطة في رحلتنا. علينا أن نقطع برًّا نحو 450 كيلومتر في 8 ساعات. كانت تجربة ممتعة أن تكون منفصلًا عن التكنولوجيا وحيدًا في صحراء "كيزيل كوم"، لكن كان سفرًا شاقًا للغاية على طريق ذي اتجاهين بمسار واحد وطويل.

خلال طريقنا كانت معالم مشروع قيد الإنشاء لطريق بري سريع بمسارين بين خيوة وبخارى، بسبب درجة الحرارة التي كانت مرتفعة للغاية لدرجة أن الأسفلت ذاته عاجز عن تحملها. وهذا يعني أن المشروع أيضًا يتقدم ببطء شديد.

وصلنا إلى بخارى وكان الجو لطيفًا أو بالأحرى باردًا. كانت مدينة رائعة كما هي دائمًا. يكاد الأمر لا يصدق أبدًا في أن هذه المدينة بعد ما تعرضت له من دمار وحروب واحتلال على مدارعشرات السنين، وما فقدته من قيمة وقطع أثرية مفقودة عبر التاريخ؛ تظل شامخة وقبلة لاهتمام الكثير من الناس.

في القرن السادس عشر للميلاد كان في بخارى وحدها 200 مدرسة و100 مسجد.

في أول مساء لنا في مدينة بخارى، أخذت بنا الأشواق نحو مسجد "باي كاليان" (الجامع الكبير) الذي شيده عبيد الله خان أحد الحكام الشيبانيين (1488-1539). ويعتبر المسجد أكبر نصب تاريخي في بخارى، حيث يشكل بناؤه مجمّعًا ضخمًا ومنارة عملاقة يصل ارتفاعها إلى 46 مترًا، شيدت في عهد الحاكم محمد أرسلان خان عام 1127.

إلا أن ما أثار حماسنا في الواقع كان السكينة والطمأنينة التي خيمت على الجو الهادئ للمسجد. صلينا خلف شاب حافظ للقرآن، ونحن نستمع إلى تلاوة مليئة بالأمان.

بعد الانتهاء من جولاتنا الجماعية الروتينية بادرت لفعل ما أفعله دائمًا خلال زياراتي إلى بخارى، حيث مشيت نحو الأحياء البعيدة والشوارع الجانبية. كانت جولة ممتعة استغرقت ساعات دون راحة، حاولت فيها اكتشاف الجديد الذي لم ألحظه خلال زياراتي السابقة، واستعادة الذكريات الماضية.

على سبيل المثال، خلال جولتي هذه توقفت عند مسجد "الشيخ زين العابدين"، وهو أعجوبة معمارية منعزلة مع حوض سباحة عملاق أمام المسجد.

لكن ما لفت انتباهي أكثر وأدخل السعادة لقلبي حقًّا هو الترميم السريع لمساجد الأحياء الصغيرة، فقد كان مشهدًا يليق بالفعل بمدينة بخارى.

وأنتم تقرؤون هذه السطور، نتوجه نحن الآن إلى سمرقند. فإلى اللقاء حتى السبت المقبل مع سطور جديدة عن سمرقند، والوجهة التي تليها "طشقند".

+

خبر عاجل

#title#