أي نوع من الحداثة هذا، وأي نوع من النوستالجيا ذاك؟ - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

أي نوع من الحداثة هذا، وأي نوع من النوستالجيا ذاك؟

إن فكرة أن العالم أو الإنسان في عملية مستمرة من التقدم أو التطور تعتبر واحدة من كبرى أيديولوجيات الإنسان الحديث. هذا التقدم يوحي للإنسان على الدوام بأن اليوم أفضل من الأمس، والغد أفضل من اليوم. ولذلك فإن النتيجة المنطقية لا التجريبية لهذه الفكرة، هي أننا كلما ذهبنا نحو الماضي لن نعثر سوى على الأسوأ أو البدائية.

الشيء ذاته يتعلق بتصاميمنا حول المستقبل فهي تعتمد على استدلالات منطقية، أكثر مما تعتمد على استدلالات واقعية تستكشف ما يمكن تجربته في ضوء البيانات الواقعية التي بين أيدينا. وبناء على ذلك تم إثبات فكرة التطور هذه استنادًا للمستوى المنطقي بدلًا من التجريبي، حيث تنص فرضيتنا المقبولة منطقيًّا على أن الإنسان كلما توجه نحو الماضي كلما رأي أشياء أكثر سوءًا أو بدائية أو بساطة.

عندما نقبل هذه الفرضية ونسلم لها دون سؤال ونعتنقها بالكلية، فإن جميع تصوراتنا حول الماضي أو المستقبل ستتشكل حتمًا بناء على تلك الفرضية.

وهذا هو السبب بطبيعة الحال في تفاجئنا عندما نعلم عن طريق الخطأ بوجود تقنيات عدة طورها بعض الأشخاص الذين عاشوا في الماضي أو الماضي البعيد كذلك، لأننا تعودنا تمامًا على عدم إسناد مثل هذا النوع من الذكاء أو السلوكيات المعقدة من معرفة وعمق إلى القدماء. وفي الحقيقة من الممكن النظر لعلم الآثار بأكمله كخطاب يدفعنا نحو التعجب من الجوانب المحيرة التي خلّفها لنا إنسان ما قبل التاريخ.

ومع ذلك فإن إعجابنا أو دهشتنا بالتألق الذي نراه في الإنسان القديم يرجع في النتيجة إلى إعجابنا بأنفسنا وليس إلى إعجابنا بهم. نحن معجبون بأنفسنا لدرجة أننا نمنح الإنسان القديم شرف مشابهته لنا فيما صدر عنه من أعمال أو أفكار ما لاقت استحسان إنساننا الحديث.

الحياة الدينا غرور (عبارة عن وهم)

إن الإعجاب بالنفس والتركيز على الذات لدى الإنسان الحديث، وحشر زمانه ومكانه والأنا الخاصة به في كل أمر وشيء، إنما يقوم في الواقع على كل من الغطرسة ضد تراكم الماضي، وعلى الوهم الذي يغذي أيضًا عنصريته وقوميته وعرقيته والأنا المتمركزة في أعماقه.

تعبر كلمة غرور في اللغة التركية عن الغطرسة لدى الإنسان كمرض بشري، إلا أن أصل هذه الكلمة العربية يعبر عن الوهم والانخداع. ولذلك يقول القرآن الكريم بأن الحياة الدنيا ليست سوى متاع من الغرور؛ "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور".

إن أعظم غرور وخداع يتعرض له الإنسان هو الإعجاب بنفسه، والتعامل مع هذا العالم الكبير الذي اؤتمن عليه على أنه ملك له فحسب. بيد أن الطريق الأمثل لشكر هذه النعمة التي اؤتمنت عليها هي أن تشعر بوعي عميق بأنها ليست ملكًا لك. إلا أن الإنسان الذي أكل الغرور جميع مشاعره يواصل الطريق ذاته من أجل تضخيم هذا الغرور، وإن العنصرية هي أعمق أشكال هذا الغرار والخداع.

غرور النوستالجيا أمام الغرور التقدمي

أحد وجوه الضرر الناجم عن هذه الغرور هو الشعور بما يعرف بالنوستالجيا أو الحنين للماضي، حيث يبدو شعورًا متطورًّا نشأ ضد تبعات وتيرة التغيير المذهلة في العالم الحديث، في صورة تبدو متناقضة إلى حد ما.

بينما يقوم جزء مهم من الأدب الحديث بتمجيد الماضي فإنه يتحدث عن تدهور كل شيء نعيشه اليوم (الحاضر). وإن أحد عوائق الشعور المتطور بالحنين نحو الماضي في الحياة الحديثة هو تحول هذا الشعور بشكل سريع إلى قضية استهلاك حديثة.

إن الانطباعات حول الماضي والتصورات التقليدية يتم إعادة اكتشافها ومن ثم تقديسها، من خلال وجهات نظر ودوافع اليوم. وفي الوقت الذي توضع فيه لتقارع الحياة الحيدثة، تحولت إلى أداة تغذي الحداثة ذاتها، بشكل لا شعوري.

وفق ظروف وواقع الحياة الحديثة، فإن الادعاء بوجود حياة أو تقليد ما لا يعود إلى هنا، يتحول هذا الادعاء إلى غرور من نوع آخر. إنه غرور بمعنى الوهم من ناحية، وبمعنى الغطرسة التي تتجلى في لغة فوقية وموقف متعالي ضد أنماط الحياة الأخرى.

إلا أن واقعية ابن خلدون أخبرتنا بما فيه الكفاية أنه في الماضي لم يكن هناك أي شيء ينال التقديس أو يُنظر إليه على أنه الأفضل ؛ بسبب كونه من الماضي فحسب. بل أخبرتنا أن الماضي مثل الحاضر تمامًا كشبه الماء بالماء.

ولذلك يمكن فهم الحنين للماضي على أنه شوق لزمان الشباب والصحة التي كانت بصورة أفضل لدى الإنسان بطبيعة الحال، لكنها لا يمكن بالتأكيد أن تتحول إلى تبرير لحالة التشاؤم التاريخي لإثبات أن كل شيء يتجه نحو الأسوأ تاريخيًّا.

ما هي مهمة علم الاجتماع؟

حينما يقوم البعض الآن في تركيا بانتقاد كل شيء ويقولون بكل أريحية أن كل الأمور تتجه نحو الأسوأ من صحة واقتصاد وتعليم وقانون، من المستحيل أن لا تشعر بالدهشة والتعجب حينما يصدر ذلك عمن عاش الأشياء ذاته كيف وصل به الحال لأفكار معاكسة وأحوال مزاجية مغايرة.

هناك أسباب واضحة تدفع لهذا الشعور بالحيرة. ففي السنوات العشرين الماضية سجلت تركيا تطورًا مذهلًا في مجالات الصحة والاقتصاد والنقل والتعليم والتحضر والصناعة والإنتاج. وحينما يتم الاطلاع على هذا التطور بلغة الأرقام سيكون واضحًا بشكل لا لبس فيه.

قبل شعرين عامًا، كانت الخدمات الصحية في تركيا عند أدنى مستوياتها على مستوى العالم. أما اليوم فقد بحولت تركيا إلى وجهة للسياحة العلاجية. أما على صعيد التعليم فقد وصل عدد الجامعات من 76 جامعة إلى 207 جامعات بينما يتجاوز عدد طلاب الجامعة اليوم 8 ملايين طالبًا وطالبة. (بالطبع هناك عيوب منفصلة وآثار جانبية سلبية يجب الوقوف عندها).

كذلك الأمر بالنسبة للصناعات الدفاعية، حيث بلغ مستوى الاكتفاء الذاتي أكثر من 70%. فضلًا عن الخدمات الاجتماعية المؤسسية والبنية التحتية السياحية عالية الجودة، وغير ذلك الكثير.

ولذلك فإن مسألة أن كل هذه التطورات المعاشة لا تنشط بالمشاعر ذاتها لدى كل طيف من أطياف المجتمع، تعتبر مسألة هامة للغاية لعلم الاجتماع، لكن لعلم الاجتماع الذي تحرر من قيوده الأيديولوجية بالتأكيد.

من الطبيعي أن لا ترضي هذه التطورات الجميع بشكل متساوٍ، لكن ماذا عن أولئك الذين انقلبوا على تلك الحقائق فجأة وغيروا آرائهم بسبب تغير حالتهم المزاجية؟

+

خبر عاجل

#title#