الراوي - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

"بدأت القافلة بالتجمع. سنغادر عمّا قليل "سرخس" التي كنا قد وصلنا إليها أمس. رئيس القافلة قال أننا سننطلق في رحلة إلى نيسابور تستغرق 10 أيام تقريبًا، وستكون رحلة شاقة من وقت لآخر.

لكنني معتاد على السفر إلى حد كبير. ومع ذلك شعرت بتعب شديد حينما أُرغمنا على السير تحت المطر يومين كاملين. وكأنني أنا من أكنت أسير بالحمولة لا الجِمال.

سأتحدث أولًا عن رحيلنا من مرو. حضرت درس نضر قبل يوم من مغادرتنا. تودعنا. وقدم لي توصيات حول مراكز العلوم الغربية. كما أوصاني أن أقضي معظم وقتي في البصرة والكوفة وأن أذهب إلى اليمن إذا استطعت. ثم أوصاني بأن أعود بما تعلمته من روايات إلى دياري، أو ان أستقر في مكان قل فيه علم السنّة مثل مصر.

لكن حينما أعملته بأن لا نية لي في الاستقرار بمصر بل سأعود إلى الديار إن قدر الله، أوصى "نعيم" الذي كان بجواري أن يعود إلى مصر.

لم يكن ضمن برنامج رحلتي مع أبي الذهاب إلى اليمن، لكن لعل الفرصة تسنح لنا فنعرج إلى هناك.

وصلنا إلى سرخس عبر طريق كان أغلبه صحراء، مررنا خلاله بمناطق سكنية صغيرة مثل داندانكان.

في الواقع كانت مهمة رئيس القافلة صعبة. حيث يتحتم على الإنسان أن يظل يراقب علامات الحجارة على الطريق.

كان هناك نهر واحد فقط يتدفق في مدينة سرخس خلال الربيع. سرعان ما ادركت في الصباح أن هذه الأراضي المباركة كانت تخضر بفضل هذا النهر.

ليس لدي فكرة حول الوضع العلمي في سرخس. في المسجد الذي دخلت إليه رأيت محدّثًا في منتصف عمره يروي أحاديث عن شخص اسمه خارجة بن مصعب.

على الرغم من أن ذلك خارج القواعد، إلا أنني قمت بكتابة روايتين أو ثلاث قصيرة استمعت لها خلال الدرس، وعقب ذلك استأذنته في نقلها. كما تعرفت إلى رحل بسنّي اسمه عبيد الله بن سعيد. لكن كان علي أن أغادر فرئيس القافلة صاح بنا للمغادرة".

بطلنا الذي قرأنا للتو جزءًا مما نقله لنا عن المحطات المختلفة لرحلاته العلمية التي بدأها في سنّ مبكرة، ولد في سمرقند في 11 ربيع الثاني من عام 165 هجرية.

ينتمي هذا البطل إلى عائلة عربية ساهمت في إبقاء الفتوحات الإسلامية في آسيا. قام بثلاث رحلات عظيمة إلى المراكز الغربية من العالم الإسلامي بتوجيه من أبيه. ذهب في رحلته الأولى عندما كان عمره 13 عامًا. ثم قام بالثانية بينما كان عمره 16 عامًا، واستغرقت منه 4 أعوام، حيث غادر من سمرقند إلى مرو فنيسابور فالري فأصفهان فالبصرة فصنعاء فمكة فالمدينة فالكوفة فبغداد فواسط، ثم عاد مجددًا إلى سمرقند من بغداد عام 184 هجري.

بعد 11 عامًا كاملًا، عاد من جديد لينطلق في رحلة ثالثة. تزامنت هذه الرحلة مع صعود الخليفة العباسي المأمون إلى العرش. وشهدت هذه المرحلة واحدة من أكثر الفترات الصعبة في التاريخ الإسلامي، وعُرفت بـ"المحنة". ولقد انخرط بطلنا في مغامرة صعبة لكنها كانت مفيدة للغاية.

بطلنا الذي يصف جميع هذه الرحلات بالتفصيل، يحمل بيديه مرأة قوية تعكس الجو العلمي والسياسي للعالم الإسلامي في القرن التاسع للهجرة. ستصادفون بين سطوره تفاصيل تجعلكم تصابون بالدهشة.

بطلنا في الحقيقة لا اسم له، لأنه ليس سوى شخصية خيالية. هي من إبداع الأستاذ د. محمد أنس توبغول جسدها في كتابه الأخير تحت عنوان "الراوي"، تحدث فيها عن شخصية خيالية قطع صاحبها العديد من الرحلات من أجل سماع الحديث ونقله عن علماء الحديث. وشرح الكاتب خلال ذلك البيئة العلمية في ذلك العصر، وماهية "الرحلة في الطلب العلم" التي تعتبر من أهم أجزاء التراث العلمي الإسلامي. وكل ذلك بلغة ممتعة وبأسلوب روائي شيّق، يجذب حتى من ليس لديه دراية بالموضوع.

قرأت هذا العمل الرائع "الرواي"، الأسبوع الماضي حينما عدت من سمرقند التي كنت في زيارة لها. سرعان ما انتهيت من قراءتها حتى أرسلت لكاتبها الأستاذ أنس رسالة هنأته فيها على هذا العمل. وذكّرته بأهمية وقيمة نقل المعرفة الأكاديمية للناس العاديين من خلال هذه الوسائل.

خلال حديثنا استذكرنا كتاب "الإسلام والسفر في العصور الوسطى لـ"هواري تواتي"، باعتباره أشهر عمل يصف ظاهرة سفر العلماء في ذلك الوقت. فقال لي الكاتب الأستاذ أنس؛ "نعم كتاب تواتي نص ممتع للغاية، على الرغم من أنه ذو إشكال من حيث تصور تاريخ الحديث. إنه لأمر قيّم للغاية يستعرض مختلف رحلات التخصصات في هذا الكتاب".

في الحقيقة أتمنى بشكل كبير، أن يتحول عمل "الراوي" إلى سيناريو فيلم. أتمنى أن ينهض لذلك أصحاب الهمة ويمتعونا بمشاهدة هذا العمل كفيلم. وإنني متأكد أننا سنكون أمام عمل ممتع للغاية.

+

خبر عاجل

#title#