عصر نهضة اليمن خلال الحكم العثماني - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

عصر نهضة اليمن خلال الحكم العثماني

عاش اليمن إحدى أهم حلقات الثورات العربية التي بدأت قبل عشرة أعوام من الآن. انطلقت مرحلة المصالحة الوطنية بالإطاحة بالرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي حكم البلاد بشكل منفرد لأكثر من 30 عامًا، وبدلًا من أن تنتهي إلى نقطة معينة؛ تعرضت لثورة مضادة أو عملية انقلاب بالأحرى.

الحوثيون الذين كانوا حتى تلك اللحظة في انسجام مع المشهد العام لليمن، قاموا بالانقلاب على المصالحة الوطنية والحكومة الشرعية، التي كانت تعمل بألاعيب مختلفة مع السعودية والإمارات من جهة، ودعم إيران جزئًّا من جهة أخرى.

في الواقع، كان ذلك الانقلاب الخطوة الأولى أو الحجة لتنفيذ انقلاب أكبر. عملية "عاصفة الحزم" التي قادتها الإمارات والسعودية ضد انقلاب الحوثيين والتدخل الإيراني في اليمن، والتي لاقت في البداية ترحيبًا من الشعب اليمني بأكمله، باتت السبب الرئيسي للوضع المأساوي الذي يعيشه اليمن اليوم.

لقد اسفر هذا الوضع المأساوي عن قتل مئات آلاف اليمنيين، وتهجير مئات الآلاف من أراضيهم ومنازلهم، جزء كبير منهم استقروا في تركيا وشكلوا جالية يمنية معتبرة. وبينما تواصل هذه الجالية علاقاتها وروابطها على أكمل شكل مع البلد الأم، فإنها تقوم في الوقت ذاته باستثمارات مهمة للغاية في تركيا.

يعرف اليمنيون من حيث عدد السكان بين الشعوب العربية بأنهم الأكثر عملًا واستثمارًا وتجارة. وبفضل هذه الميزات يقودون استثمارات مهمة في تركيا.

استضافت الجالية اليمنية في تركيا، حدثًا مهمًّا في إسطنبول نهاية الأسبوع الماضي. حيث تم جمع الدراسات التاريخية التي أجراها أحد أهم مؤرخي اليمن علي بن جار الله بن الذيب على مدار 35 عامًا وإخراجها في كتاب، بعد أن كانت دراسات متفرقة. يتحدث الكتاب عن العصر الذهبي لليمن خلال العهد العثماني، وهو بطريقة ما تعبير عن الشكر لتركيا التي احتضنت اليمنيين في ظل الظروف الراهنة، كما هو الحال في الماضي.

يعتبر الكتاب أفضل مثال على تجسيد حقيقة ان التاريخ هو تذكّر الماضي وإعادة كتابه في ضوء ما يجري اليوم. يكشف الكتاب من خلال العديد من الوثائق والأمثلة كيف أن اليمن أنتجت أفضل آثار حضاراتها السياسية والمعمارية والمؤسسيسة والثقافية عل مر تاريخ اليمن. كما أن الكتاب يعتبر جزءًا من أهم الدراسات العلمية المعتبرة التي تدحض الرواية الزاعمة بأن العثمانيين استغلوا العالم العربي.

العثمانيون عرفوا اليمن وطنًا. الوطن لا يُستعمر بل يُعمّر

الرد على تلك الرواية من قبل العرب واليمنيين أنفسهم يعتبر ذا معنى للغاية. اسمحوا لي أن أنقل هنا ما قلته في كلمتي خلال فعالية إطلاق كتاب المؤرخ اليمني ابن الذيب.

ااا "كان العثمانيون ينظرون لليمن وسائر الأماكن لاتي تواجدوا فيها كوطن، ولذلك فلم يميزا بين أي قطعة من هذا الوطن وبين عاصمته إسطنبول مثلًا. هل يمكن لبلد ما أن يكون مستعمرًا لقطعة من وطنه؟ لا سيما أن سمات وسلوكيات التقاليد الاستعمارية واضحة. فالمستعمرون لا يعتبرون على الإطلاق الأماكن التي يستعمرونها وطنًا، ولذلك فهم يتعاملون مع الناس والأرض على أنها مجرد كائنات يجب استغلالها حتى النخاع. بينما الدولة العثمانية قامت بتوفير العديد من الخدمات إلى أكثر اوطانها النائية، لدرجة أنها تعرضت لانتقادات بحجة أنها اهملت الأناضول في سبيل دعم تلك المناطق".

عقب هذه الكلمات، قام أحد اليمنيين وتحدث بكلمات جسدت بكل وضوح وقوة كيف ينبغي النظر إلى التاريخ وإلى اليوم على حد سواء. ذلك الشخص اليمني الذي كان يقف بمحاذاة العلم التركي، وقد أمسكه بيديه وخاطب الحضور قائلًا؛ "هل تعتقدون أن علم الهلال والنجمة هو ذاك العلم الذي يمثل من يعيش في تركيا فحسب؟ هل تعتقدون أن النسبة التي تمثل دمنا قليلة وسط هذا الدم الذي يلون العلم بالأحمر؟ دماؤنا جميعًا خضبت هذا العلم باللون الأحمر. سواء في اليمن، أو جنق قلعة، او غيرها من المناطق. لم يستعمر العثمانيون اليمن، بل عمروها، واليمنيون كانوا يعتبرون وجود العثمانيين جزءًا لا يتجزأ من وجودهم، ولذا فنحن شركاء في الدم".

التاريخ يعيد نفسه، وتركيا لا تنظر إلى اليمن بشكل مختلف عما كانت عليه في الأمس، أما الآخرون فهم يتصرفون اليوم كما كانوا يفعلون بالأمس القريب تمامًا.

بطل في عصر التكنولوجيا المتقدمة: أوزدمير بيرقدار

لا توجد بطولة في عصر التكنولوجيا المتقدمة في الأصل. حيث يتم تحديد البطولة في الأصل من خلال القدرة القتالية للقوى البشرية وأدائها بشجاعة وتصميم. أما مفهوم وحقيقة التكنولوجيا الآن فهي أشياء تعمل ضد مفهوم البطولة. وبما ان الحروب اليوم تخاض عبر الوسائل التكنولوجية، فإن التكنولوجيا هي التي تحدد نتيجة الحروب وليس الأبطال.

لكن على الرغم من ذلك، فلا أحد يشك في أن ما قام به أوزدمير بيرقدار في سبيل إنتاج هذه التكنولوجيا وتكريسها في تركيا، كان بطولة عظيمة. كل من يعرفه أو شهد أي جزء من حياته يدرك ويقدّر بأن حياته وتفاصيلها تستحق تعريف البطولة دون أدنى مبالغة، وذلك بسبب الطريقة التي كرس فيها نفسه وحياته لمهنته وعمله ووطنه.

هذا الجهد الكبير حقق حلم تركيا في الحصول على تكنولوجيا لا يمكن تخيلها باتت في متناول اليد وحديث العالم. ولذا فإن ما قام به في خضم هذا الطريق يتجاوز بكثير الاحتراف العادي، أو حتى مهارة رجل أعمال ناجح وقوي يقوم بأعماله على أكمل وجه.

من الواضح جدًّا أن الإيمان الذي كان يملكه كان هو الدافع الأكثر أهمية الذي شكل هذا الجهد الخارق. وإذا تواجد الإيمان فلا مستحيل.

لم يقتصر عمل بيرقدار على نفسه فقط، بل وجه طاقته لجعل أبنائه كذلك يؤمنون بهذا الطريق الذي آمن به، ليضعهم على المسار ذاته وقد نجح بالفعل، ومع ذلك لم يتوقف عن العمل حتى انفاسه الأخيرة ونال رحمة الله.

رحل رحمه الله وترك أبناءه والنموذج الذي ابتكره بأسلوب عمله الخاص وإيمانه وجهوده نموذجًا يُحتذى به ويُطمح إليه لا سيما من قبل الشباب.

وبذلك يكون قد رُزق نصيب الصدقة الجارية التي سيتواصل نفعها وفضلها حتى بعد مماته. ونحن نشهد على ذلك.

وفي الواقع لا يوجد نموذج قدوة في الآونة الأخيرة على مستوى تركيا أفضل من نموذج اوزدمير بيرقدار من خلال جهوده ولا سيما إزاء أبنائه الذين ركبوا السفينة ذاتها.

نموذج رفيع يمكن أن يكون قدوة ومثالًا ضد النموذج خالي الوفاض الذي يحاول جعل ما يسمى جيل Z جيلًا مدفوعًا بدون كيان أو أهدف أو طموح.

وفي هذه المناسبة أود التعبير عن عزائي لرحيله، وامتناني لما قدم من إسهامات لتركيا في هذا المجال، وأسأل الله له الرحمة، ولعائلته الصبر والمواساة.

+

خبر عاجل

#title#