النبي والثورة الاستراتيجية - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

إن محاولة فهم النبي صلى الله عليه وسلم هي الخطوة الأولى في طريق اتباع سنته، ومن غير فهمه لا يمكن اتباع سنته. لكن قد يظن البعض أن من الممكن تحقيق الاتباع من خلال التقليد دون فهم جزء مهم من الدين لا سيما العبادة، إلا أن مجرد التقليد دون وجود أي فهم، يولّد معنى خاصًا لنفسه ومن ثم يمنح الإنسان مفهومًا معينًا مطابقًا لتقليده الخالي من الفهم.

هناك عبارة تقول "إذا لم تعش كما آمنت، فإنك ستؤمن كما تعيش"، وبمعنى آخر؛ إذا لم تعش كما فهمت، فستبدأ بالفهم كما تعيش". والفهم هو المستوى الأساسي للوجود البشري، بغض النظر عن تقييمه صحيحًا كان أم خاطئًا.

حينما تعاش السنّة فإنها تحمل وفق مفهومها حكمة تتجلّى على المؤمن. وحينما يقوم الإنسان بتطبيق أمر الله وهو واثق به ومسلّم له، بغض النظر عن فهمه أو عدم فهمه لهذا الأمر، فإن العمل يتجلى بصورة فهم وأسلوب وحالة روحية تنعكس على هذا الإنسان.

من أن يمر طريق السنّة ضمن حياتنا؟

هناك سنّة كذلك يمكن فهمها من حياة النبي من خلال تخليل تاريخي أكثر عمقًا وكثافة. كما يجب النظر وفق منظور تاريخي للأبعاد الموجودة في كفاحه، ففي النهاية نحن نتحدث عن حياة قبل 1450 سنة، مليئة بالتبليغ، والمناقشات والعلاقات الاجتماعية المكثفة والسياسات القبلية والحروب.

من ناحية أخرى، كلما تنوعت الحياة وتعددت عبر التاريخ، فإن الفاعلين والهياكل الاجتماعية واللغات والثقافات عبر التاريخ؛ جميعها تتعرض لتغيرات كبيرة.

لا شك أن حياة النبي تعتبر مثالًا رائعًا يحتذى به ويصلح لجميع الناس اليوم وغدًا. ومع ذلك، فإن الكشف عن الممرات التي يمكن أن تمر فيها حياة النبي في خضم هذا التغيير، يدفعنا بالضرورة لمزيد من مطالعة السيرة النبوية، وقرائتها على الدوام بعناية أكبر.

يعتبر كتاب "الربيع الأول" لوضاح خنفر الذي عمل مديرًا لقناة الجزيرة لسنوات عدة، من أكثر الأعمال الرائعة على صعيد الفكر العربي والإسلامي المعاصر، كما أنه من بين الدراسات التي حاولت تحقيق هذا الفهم لحياة النبي. لا سيما وأن خنفر كان ينظر إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده من منظور مفهوم "الاستراتيجية".

لعل من أبرز الجوانب الملفتة في حياة النبي، حين مقارنتها مع حياة الأنبياء أو حتى مع القادة السياسيين، ذلك النوع من "النهاية السعيدة" التي تتمتع بتطور مستمر ما بين بدايتها ونهايتها، وتحظى بنجاح حتى على صعيد العمل الدنيوي.

لم يحظ أي إنسان على الإطلاق بهذا القدر من النجاح، حين الوصول إلى مشارف النهاية في حياته، يجد الدولة التي قد أسسها من الصفر، قد وصلت لنفوذ قوي؛ فقدمٌ في الأندلس وقدمٌ في الصين، وقد خلّف من بعده مجتمعًا مخلصًا ومؤهلًا. وربما هو القائد الوحيد بالفعل على وجه الأرض الذي عرف السعادة، وشقّ من بعده طريقًا وإرثًا دينيًّا وحياة بلا مأساة.

دين السعادة الخالي من المأساة

الذين يقارنون بين الإسلام وبين أديان مثل المسيحية واليهودية والبوذية والكونفوشية، أو حركات اجتماعية مثل الاشتراكية، ليسوا مخطئين في تمييز هذا الدين والنبي الذي عرف السعادة.

في الحقيقة لقد نجح الإسلام في إيجاد فرصة من أجل تقديم نموذج مثالي وسعيد في هذا العالم، بعد أن شق طريقه من خلال فرد واحد فقط، سلك أشق الطرق وأصعبها من أجل إيصال رسالته، وجاهد في سبيل ذلك بل وهاجر، ليؤسس في نهاية المطاف دولته الخاصة في المدينة المنورة.

علاوة على ذلك، لم يجد نفسه مضطرًا على الإطلاق يومًا ما للتنازل عن أي قيمة من قيمه التي تبنّاها وآمن بها منذ بداية الطريق، سعيًا في كسب قبول مزيد من الناس. وبهذا المعنى يُعتبر الإسلام الدين والمفهوم السياسي الوحيد الخالي من المأساة.

وبناء على هذه الغاية المثالية التي تم الوصول إليها، فإن السؤال من أين انطلق وكيف وصل إلى هنا، يعتبر أفضل طريقة من أجل تحديد عقل القائد أو سياسته الاستراتيجية. ففي النهاية إنما تُقاس السياسة الاستراتيجية حين السير نحو هدف محدد، من خلال دقة وجودة المركبات والطرق المستخدمة لذلك.

ومن الممكن تتبع مدى دقة وحكمة جميع الخيارات التي اتخذها الرسول في طريقه نحو الهدف العظيم الذي وصل إليه بالفعل.

يقارن خنفر جهاد ونجاح النبي صلى الله عليه وسلم، ببعض القادة السياسيين والملوك ممن جاء قبله. مثل داريوش الأول أعظم ملوك الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، والإسكندر الأكبر المقدوني، ويوليوس قيصر، والإسكندر الأكبر، وجميعهم شخصيات حققت نجاحات كبيرة عبر التاريخ. ولا شك أن النجاحات العظيمة التي حققوها تشير إلى أنهم اتبعوا مسارات استراتيجية فعالة للغاية. والنظر في كيفية تحقيق هذه النجاحات وكيف وصلوا إليها ومن أين، يكشف عن هذا العقل الاستراتيجي.

الفرق عند النبي في الثورة الاستراتيجية

يشير خنفر في كتابه، إلى أن هذه الشخصيات الأربعة تمكنت بالفعل من تغيير الخريطة الاستراتيجية للعالم وقلب موازين القوى، إلا أنهم جميعًا استخدموا الأسلوب ذاته من أجل تحقيق هذه النتيجة؛ وفي جوهر هذا الأسلوب يكمن عنصر الانتماء إلى أمة أو إمبراطورية ما، كما يكمن عنصر الكيان العسكري الذي يساهم في تعزيز السلطة ونمو الثروة.

أما الثورة الاستراتيجية لدى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي كانت عالمية وسريعة ومتجذرة، فهي تختلف بشكل كبير من حيث المضمون عن الثورة الاستراتيجية لتلك الشخصيات. فلم يكن أسلوب ثورته الاستراتيجية صلى الله عليه وسلم قائمًا على مركزية السلطة وتراكم الثروة، كما أن هذه الثورة لم تصل ما وصلت إليه من خلال تبني حركة قومية أو طموحات إمبريالية.

ومن اللافت أن خنفر يربط أعمال النبي بهذا البعد بالذات الذي يعتبر أصيلًا وفريدًا من حيث الاستراتيجية.

كما يحاول خنفر الاطلاع عن كثب على المنهجية الاستراتيجية عند النبي، من خلال أفعاله الاستراتيجية التي قام بها حتى فتح مكة. وإنما يعني بمصطلح "السلوك الاستراتيجي" جميع أفعال النبي وأقواله في إطار علاقاته مع مختلف القوى والقبائل والأفراد.

وفي هذا السياق، يدخل خنفر في عملية تأريخ جديد يتخذ موضوعه من حياة النبي بما فيها من صلات وعلاقات ومراسلات ومعاهدات، إلى جانب الشق العسكري من حياته صلى الله عليه وسلم بما في ذلك المعارك والغزوات، مرورًا بالعلاقات التي أقامها في المدينة المنورة سواء مع الفاعلين المحليين أو على مستوى عالمي، كذلك المواقف الودّية إزاء القبائل المختلفة.

وللحديث بقية حول هذا الكتاب.

+

خبر عاجل

#title#