"الربيع الأول" - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

كتب وضاح خنفر كتابه في السيرة النبوية والذي أسماه "الربيع الأول"، وقد دعا من خلاله إلى "قراءة سياسية واستراتيجية في السيرة النبوية". دعونا نتفق على أن جميع ما كتب في هذا المجال، لا يمكن أن يستعرض جميع جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم. لا سيما وأن الكتاب ذاته اقتصر على محاولة فهم "الاستراتيجية" كمفهوم في حياة النبي.

أردت أن ألفت لهذه النقطة الضرورية، من أجل تنبيه أولئك الذين يتوقعون من هذا الكتاب استعراض ما اعتدنا رؤيته في كتب السيرة النبوية الأخرى، التي تتعرض للجوانب العامة والتفصيلية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ففهناك الكثير من الكتب ما يكفي لاستعراض هذه الأبعاد المهمة أيضًا، لكن لا ينبغي التعامل مع كتاب "الربيع الأول" على أنه تكرار لها، بل ربما من الأفضل رؤيته كعمل إضافي ومستدرِك.

"الربيع الأول" مصدر إلهام الربيع العربي

لقد استلهم الكاتب خنفر في الواقع اسم "الربيع الأول"، ضمن أجواء بيئة شهدت تحول ما يعرف بالربيع العربي إلى شتاء بفعل الثورات المضادة؛ الانقلابات. وربما كانت الاستراتيجية من بين المفاهيم التي تذكروها بشكل كبير خلال المشاكل التي واجهتهم خلال مرحلة الحفاظ على الثورات التي اكتسبوها سريعًا، سواء في مواجهة موازين القوى الداخلية أو العملية.

لا شك أن حياة المسلمين الأوائل وجهادهم تمثّل نموذجًا فريدًا لـ"الاستراتيجية"، وهم الذين برهنوا للبشرية على إمكانية تحقيق وجود إنساني كريم يكون بمثابة "الربيع الأول" في طريق التغيير، لا سيما وأنهم جسدوا نموذجًا استثنائيًّا وفريدًا في التاريخ على صعيد السياسة والمجتمع والحضارة.

أي نوع من الاستراتيجية يحتاجها الربيع الجديد الذي بدأ بزوغه لأول مرة قبل عشر سنوات، من أجل تأسيس مناخ عادل حر كريم تحتاجه البشرية بشدة في عصرنا، وتُحترم فيه حقوق الإنسان؟ ومن هم الحلفاء الاستراتيجيون لهذا المسار الذي سيتطلب بالتأكيد تغييرًا كاملًا في موازين القوى العالمي الموجود، وبأي طريقة سينضمّون لهذا المسار؟

غالبًا ما تتم كتابة التاريخ على الدوام في ضوء اليوم المعاصر، وليست سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مستثناة من ذلك بطبيعة الحال. وما يدفعنا للبحث عن آثار "الربيع الأول" في السيرة النبوية، هو الربيع الذي لم يكتمل بعد في حاضرنا. وما يدفعنا كذلك لإيجاد ملامح الاستراتيجية في السيرة النبوية، هو ذلك السلوك والعقل الاستراتيجي الذي يبدو مفقودًا لدى الحركات الإسلامية.

منذ أن كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو القرشيين للإسلام، كان من الواضح أنه حدد معالم الخطوة الأخيرة وهو بعد قد وضع الخطوة الأولى لتوه، وقد كان منذ اللحظة الأولى يسير على هدى وفق طريق معلوم نحو هدفه الذي كان واضحًا ومحددًا.

ومن أجل تحديد هذا الطريق فمن الضروري بلا شك النظر إلى بداية الطريق وصولًا إلى الهدف المنشود الذي تم الوصول إليه. وحين النظر بهذا الشكل، يتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع خطواته بناء على حسابات جيدة للغاية لروابط النسب التي تقوم عليها عائلات قريش، إلى جانب التقاليد وموازين القوى. لكن ومع ذلك فلم يقدّم أي نوع من التنازلات عن رسالته ومبادئه.

الاستراتيجية الإسلامية لا تبرر الوسائل لأجل الغايات

بقول السيد قطب: "حين التوجه نحو الهدف، فليست كل الطرق جائزة. الاستراتيجية الإسلامية لا تستند إلى فهم يبرر الوسائل لأجل الغايات، بل على العكس؛ فالوسائل هي جزء من الهدف، ولا يمكن فصلها عن العقيدة. إن اعتماد وسائل مناقضة للهدف من أجل تحقيقه، يُفسد القضية ويجعل الهدف ذاته بلا معنى".

وفي الواقع فإن هذا المبدأ يمثل أحدى المبادئ الأساسية التي يجب أن تتبادر إلى الذهن خلال جميع المناقشات والدراسات حول استراتيجية النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الهدف لا يعني بالتأكيد وصول مجموعة معينة إلى السلطة فحسب. ومن هذا المنظور تتجلى حقيقة أن النبي صلى الله عليه حينما أصبح بالفعل عنصرًا مهمًا في موازين القوى العالمية لدرجة تمكنه من تغيير موازين القوى في عصره، لم يحد ذرة واحدة عن الأهداف التي رسمها منذ اللحظة الأولى وهو يشق طريقه. وهذا في الحقيقة يعتبر إحدى خواص النبي وما جعله استثنائيًّا في تاريخ السياسة العالمية.

على صعيد آخر، لا شك أن الكفاح الذي جسّده النبي صلى الله عليه وسلم خلال تبليغه الرسالة، كان كفاحًا سياسيًّا حتى النهاية. ولذلك فإن من يحاول اليوم جاهدًا تصوير مهمة الرسول على أنها خالية من السياسة، أو بينهما مسافة وفجوة، ويختصر كفاح النبي في الأخلاق والسلوك الحسن فحسب؛ على هؤلاء أن ينظروا للسيرة النبوية اليوم من المنظور الاستراتيجي الذي نتحدث عنه.

إن أهداف الإسلام وكفاحاته لا تقتصر فقط على الأمور التي تظل ضمن المستوى الفردي فحسب، بل ترتبط بشكل وثيق بانقسامات العالم، وأساليب الإدارة، وطرق المعاملات، وعلاقات القوة والسيادة.

هناك الكثير من الأعمال التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم هي إجراءات تهدف إلى تحقيق نتائج كبيرة في المستقبل، سواء هجرته من مكة إلى المدينة، وبحثه عن بدائل لطرق التجارة التي كانت تعتبر المورد الاقتصادي الرئيسي في مكة، وتأمين الطرق وحمايتها، والعديد من الإجراءات الأخرى.

لم ينشأ الإسلام في فراغ تاريخي وتقليدي

حينما وقع النبي صلى الله عليه وسلم على "صحيفة المدينة"، كان قد أسس للمرة الأولى مفهوم "الأمة" مع قبائل الأوس والخزرج واليهود الذين وقعوا بدورهم على المعاهدة، والتي بدورها أسستت للمواطنة الدستورية. مع التأكيد على هويات المهاجرين لا سيما قريش، واعبتارهم واحترامهم لدى سائر القبائل العربية، وهذا بدوره أكد على أن المشركين الذين بقوا في قريش لا يمثلون قريش، وإنما يمثلها المسلمون الذين هاجروا إلى المدينة المنورة.

ومن هناك ندرك أن الحركة الإسلامية لم تنشأ من فراغ، كما يمكن رؤية حدودها الرفيعة لحجم القدرة على السير ضمن تقاليد المجتمع الذي خرجت منه ككتلة معارضة.

وعلى صعيد آخر، فمن المؤكد أن العقل الاستراتيجي للنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من مقدوره الشخصي فحسب، بل إن جميع ما جسده في هذا الخصوص كان في النهاية تحت عناية وتوجيه الوحي الإلهي.

بالطبع، ليس كا ما فعله كان وحيًا، بل بعض أفعاله كانت نابعة من اجتهاده الشخصي، أو الاستشارة أحيانًا، كما كان أحيانًا يقدّم يأخذ بمشورة أصحابه على رأيه الشخصي. وعلى الرغم من أن كل أفعاله لم تكن وحيًا، فقد كان يملك عقلًا تخضع له جميع الأفعال التي لم تصدر عن وحي. وللمسلمين في ذلك قدوة حسنة بلا شك.

وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُمنح علم الغيب، فقد كان يتعامل مع المستقبل بنظرة بشرية، فكان يجمع المعلومات الاستخباراتية حول أعدائه، ويقوم بعمليات استخباراتية مضادة، ويفعل جميع ذلك في حدود المعرفة والعمل البشري.

ولذلك، فمن المناسب للغاية أن يقوم المسلمون اليوم بدراسة ذلك بطريقة علمية، ورسم نموذج للسلوك الاستراتيجي. ذلك النموذج الذي يجسّد تعريف الله تعالى للنعمة التي أرسلها لنا؛ "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ".

+

خبر عاجل

#title#