لماذا تشتم يا توركان؟ أنت مُساءل ستُحاسب - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

لماذا تشتم يا توركان؟ أنت مُساءل ستُحاسب

تصدّر النائب البرلماني ورئيس المجموعة البرلمانية في حزب "الجيد" المعارض، لطفو توركان، حديث الرأي العام في تركيا، إثر موقفه المسيء إزاء مواطن تركي من ذوي الشهداء، حيث ظهر توركان وهو يقبض بعنق المواطن "طاهر غورمان" تحت كتفه وهو يتحدث إليه، ثم توجه له بشتائم نستحي عن ذكرها هنا. وبالطبع انهالت ردود فعل غاضبة هائلة ضد الموقف المسيء للنائب البرلماني توركان.

لكن دعونا نضع جانبًا اعتراضَ البعض على ما أسموه تضخيمًا في ردود الفعل ضد توركان، لدرجة تجعلهم شركاء في هذا الفعل المسيء ذاته، ومن جهة أخرى احتمالية عدم حدوث ردود الفعل الغاضبة بالحجم ذاته فيما لو صدر الفعل عن شخص آخر غير "توركان".

من المعروف في الحقيقة أن هناك جوانب شخصية في "لطفو توركان" زادت من قوة هذا السخط والغضب التي تجلت في ردود الفعل، وجعلتها تنفجر بهذا الشكل.

لقد برز توركان لسنوات كشخص متسلط ينشر الإرهاب من خلال قوميته التي تجاوزت حتى حدود العنصرية، ومن خلال فوقية اعتلاها ليتهم أي أحد بخيانة الوطن، دون أن يخضع هو ذاته "بما يكفي" لاختبار يكشف عن وطنيته من عدمها.

مثال نموذجي على "خوارج السياسة" باسم القومية

لقد قلنا أنه لم يخضع لاختبار الوطنية "بما يكفي"، لأننا ندرك تمامًا أن مثل هذه الشخصيات سرعان ما تسقط في أدنى اختبار وتضحي بأهم القضايا من أجل مصالحها الشخصية، بل وتحول أكبر قضايا الوطن إلى مصدر دخل لها.

هؤلاء هم من وصفتهم مرارًا وتكرارًا في مرات سابقة، بـ"خوارج السياسة" باسم القومية، أي أنهم يمارسون مذهب الخوارج لكن في السياسة وباسم القومية وحب الوطن، ويتخذون من حبهم المزعوم للوطن مطية للتعالي والفوقية على الناس.

إنهم ماهرون لدرجة كبيرة تمكّنهم من تسخير حتى أصحاب القضية لخدمتهم، بحجة أنهم المالك الحقيقي والوحيد لهذه القضية. وعلى الرغم من أنهم لا يتوقفون عن "تكفير" الناس سياسيًّا ويتهمونهم صباح مساء، تجدهم أنفسهم يمارسون كل أنواع الرذائل السياسية، حيث يجعلون لأنفسهم امتيازًا يسمح له باختراق كل الحدود.

هذا ليس أمرًا غير مفهوم في الواقع، بل هذا هو هو منطق التسلط. حيث أن المتسلط في ضمن سلطة الخطاب المتمخضة عن وسائل فاشية أو التي تفرز بدورها نتائج فاشية، هو الذي يضع الاستثناءات. فالشخص الذي يتولى هذه السلطة المنبعثة من الفاشية هو من يسمح لنفسه بوضع الاستثناءات من عدمه.

لكن على صعيد آخر، فإن الفساد التراكمي الذي قد يصل إليه صاحب هذه السلطة، يتحول يومًا ما إلى أكبر تهديد حقيقي له، وهو ما يمكن تسميته بالتهديد الذاتي. فيدرك في نهاية المطاف أن سلطة الخطاب هذه ليست مطلقة كما كان يظن، وأنها لن ترى الضوء الأخضر لممارسة مذهب خوارج السياسة دون عائق.

يتهم "عملية الحل" بالخيانة لكنه يمارس دور الميليشيا في التحالف مع الشعوب الديمقراطي

لقد كان توركان من أشد المتعصبين لاتهام ما جرى خلال المبادرة الديمقراطية أو ما يعرف بـ"عملية الحل"، بأنها خيانة للوطن، على الرغم من أنها بدأت بنوايا صادقة ومحاولات حثيثة للبحث عن حل.

لم تكن عملية الحل في الواقع سوى بحث صادق عن حل من قبل شعب هذا البلد. ولم يعكر صفو هذه العملية ويدنّسها سوى استغلالها بنية سيئة وخبيثة من قبل منظمة إرهابية "بي كا كا" وجناح سياسي يمثلها هو حزب الشعوب الديمقراطي. ولو جربوا الاستمرار بنية حسنة لسار الأمر دون أي عائق، وكان من الممكن أن يحدث مسار سياسي مختلف تمامًا في تركيا.

كما أن السلوك الذي مارسته منظمة بي كا كا الإرهابية ومن خلفها حزب الشعوب الديمقراطي في ذلك الوقت، من خلال التعامل مع هذه العملية على أنها نقطة ضعف للدولة محاولين اغتنام الفرصة من ذلك على حد تفكيرهم، كشف للجميع العنوان الحقيقي الذي سيؤدي بالفعل إلى حل.

لقد كانت عملية الحل من منظور الدولة أن وجود هذه المحاولة فرصة كي تثبت للشعب الكردي أن المستحيل قد بات حقيقة، وأنها فعلت المستحيل لأجلهم، لكن في المقابل رأوا حق اليقين من أفسد هذه المحاولة، وأدركوا أن منظمة بي كا كا وحزب الشعوب الديمقراطي لا يكترثون لإيجال حل. بل لم تكن القضية بالنسبة لهم سوى مصدر كسب، ومن هنا نفهم لماذا أفسدوا عملية الحل بهذا الشكل، حيث وجدوا فيها تهديدًا لهم. فضلًا عن أن أسيادهم في الواقع لا يرغبون برؤية أي حل، بل ما يسعون إليه هو خلق صراع يؤدي إلى زعزعة استقرار تركيا أو تقسيمها.

عملية الحل كشفتهم جميعًا

لقد نجح حزب العدالة والتنمية من خلال نهجه الصادق إبّان عملية الحل، الكشف عن أكاذيب ومراوغة بي كا كا الإرهابية وجناحها السياسي الشعوب الديمقراطي. وعلى الرغم من أن عملية الحل لم يُكتب لها السير كما كان مخططًا لها، لكنها على الأقل مهدت الطريق لحل حقيقي. والحل هو التعامل مع الشعب الكردي نفسه ممثلًا لنفسه، دون أن يمثله أحد سواء بي كا كا أو غيرها.

ولقد أثبتت هذه السياسة فعاليتها في واقع الأمر حتى الآن، فكل شخص يُعامل بالشكل الذي يستحقه ويفهم به. والإرهابيون يعاملون باللغة التي يستحقونها، ولقد أثبتت هذه اللغة أنها فعالة جدًّا الآن. دون أن يؤثر ذلك إطلاقًا على الاعتراف بالأكراد وهويتهم ومطالبهم الثقافية أو الاقتصادية.

ولقد كان خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ولاية "باتمان"، الأسبوع الماضي، وحواره مع الجمهور والشباب، والمشهد البارز من هناك، مجالًا مرجعيًّا جديدًا وقويًُّا للغاية في هذا الصدد.

لوتفو توركان رفض فكرة أن يحاسبه أحد

ربما لم يكن موقف توركان ليولّد هذا القدر من ردود الفعل الغاضبة، لولا تطرفه المقيت الذي يفخر به باسم القومية، بيد أن هذا التطرف بات عنصرًا قبيحًا ووحشيًّا إزاء السياسات والحلول الإنسانية.

وبما أن توركان وحزبه "الجيد" أظهروا مواقف متزمتة في الماضي حيال القضية الكردية، فإنهم لا شك سيُحاسبون اليوم على السياسات التي تربطهم في نهاية المطاف بنفس سلسلة التحالف مع منظمة بي كا كا الإرهابية. وسيُسأل عنها كل حين، تارة من قبل ذلك المواطن في بينغول، وتارة من قبل مواطن آخر في إسطنبول.

إن المواطن التركي طاهر غورمان وهو من ذوي الشهداء، حينما واجه توركان وساءله، إنما فعل ذلك لأنه صاحب حق ومحق. إلا أن ردة فعل توركان الشاذة مخيفة للغاية، فقيل أن يشتمه بلغذة بذيئة، كان يضع عنقه تحت كتفه بشكل عنيف. ولولا وجود الكاميرات أو الناس في الشارع في تلك الأثناء، كان من الممكن أن يهمّ توركان بخنق ذلك المواطن بالفعل.

كان من الواضح للغاية أن كلمات هذا المواطن أوجعت توركان، وجعلته يفقد أعصابه، إلا أن هذه المساءلة ليست سوى ما اعتاد عليه توركان إزاء الجميع، بل كان يخوّن أي أحد، لكن حينما بدأ يواجه الأمر ذاته فقد عقله. وحينما فقد الكلمات والمبرّرات للرد على ذلك المواطن، عمد للعنف والشتائم.

ولا شك أن هذا التصرف المقيت كما جرّد توركان من إنسانيته فقد جرّده من عباءة السياسة أيضًا.

+

خبر عاجل

#title#