شاهد على نهضة 4 أجيال - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

رحل الشاعر الاستثنائي الذي كرّس حياته وكلماته ونضاله من أجل بعث الحياة في مجتمع راقد في سبات عميق، رحل إلى ربه بانتظار يوم عظيم تُبعث فيه الأجيال ليُنظر في أعمالهم.

عاش في هذه الحياة وهو يشعر أنه منفيّ عن أكثر محبوبيه، وكان يسعى على الدوام إلى إنهاء هذا المنفى ليعيش اللحظة العظيمة من لم شمله مع من يحب. وفي الوقت ذاته كانت قضيته أن يكون رائدَ ولسانَ وشاعرَ نهضة في هذا العالم.

وكأن حاله بهذا الشكل يبدو تناقضًا في الظاهر ما بين ريادة النهضة والسعي لذوق الموت قبل أوانه، مما جعله في حالة دائمة من القلق واليقظة والإحساس العميق.

الكل يتحدث عن قضية وهدف، إلا أن كل كلمة تقولها أو خطوة تخطوها ربما يجذبانك إلى موقف/قوة/موقع معلوم أو غير معلوم، وسرعان ما يتحول هذا الموقف/القوة/الموقع إلى امتحان مغرٍ لمن لا يمتلك قلقًا ويقظة وإحساسًا عميقًا.

لا شك أن خروج صاحب القضية الحقيقي من هذا الامتحان سالمًا ليس بالأمر المستحيل، لكنه صعب للغاية.

الناس درجات متفاوتة أمام هذا الامتحان على حسب إخلاصهم، فمنهم من ينسحب من هذا الامتحان أو يدخله وقد أخذ التدابير اللازمة، ومنهم من يتجاوزه بكل ما يملك من ثقة بالنفس.

لا تعني التقوى بالطبع عدم دخول هذا الطريق الشاق بسبب أنه شاق وخطير أو موحل، بل يمكن دخوله بعد التشمير عن ساعد القوة والإخلاص، والابتعاد عن آثار الوحل كي لا تصيب السائر على هذه الطريق.

شرح شاعرنا الراحل "سيزاي كاراكوتش" بنفسه كيف عاش حياته وكأنه في منفى، دون أن يترك مجالًا للنقد، بل ترك خلفه شعورًا مليئًا بالكمال والتقدير.

كان صاحب تقوى أبت عليه أن يحوّل ما اكتسبه من نضاله الطويل من سمعة وتقدير ومحبة الناس؛ إلى سلطة أو قوة. وربما هذا الأمر بالذات كان عائقًا أمام الراحل كاراكوتش عن أن يكون قائد حركة أو حزب. ورغم أنه أسس وقاد حزبًا، إلا أنه لم يفكر يومًا ما بأن ينافس بحزبه الأحزاب الأخرى، فلم يكن هذا هدفه.

لقد نثر بذور الكلمة على تربة الشعر والأدب من أجل تنشئة جيل النهضة. لكن أعظم ما منح الناس القوة الحقيقية هو أن هذه الكلمات جاءت من حياة صحيحة وسليمة. لأن سيزاي كاراكوتش لم يكن شاعرًا يخالف كلماته بفعله، لم يكن كلامه منفصمًا عن فعله وواقعه. لقد عاش أصعب حياة يمكن لإنسان أن يعيشها، لكن ليس بالعناد، بل كاختيار حرّ فتح أمامه طريق السعادة الحقيقية.

الحرية الشامخة لمن لا يطلب شيئًا

شاعر لم يتوقع شيئًا من أي أحد، ولم يطمح إلى ثناء ونيل رضا أحد، وبالتالي عرف سرّ كيف يكون حرًّا مستقلًا عن الجميع، لكنه في الوقت ذاته كان باب رحمة مفتوح يقدّم للجميع كل ما يملك.

لقد أثبت إمكانية وامتحان أن يكون الإنسان سيدًا على العالم دون أن يبذل نفسه للدنيا. ربما لم يستطع الجميع رؤية السيادة حازها، لكن الأجيال التي هرعت لتوديعه خلال جنازته أظهرت جانب هذه السيادة بشكل واضح.

لقد عبّر "صلاح الدين تشاكيرغيل" بشكل واضح حينما قال: "لم يقطع سيزاي لهذه الجماهير أي وعود سياسية، ولم يُسمعهم كلمات ذهبية لإثارة حماستهم. لكنه من خلال التعبير عن إيمانه وتأمله بالكلمات التي شكّلها في بوتقة روح الشاعر، جعل أكثر الأوتار حساسية في عالمهم الروحي تهتز".

لقد شهد جناز الراحل سيزاي 4 أجيال من الناس، ولقد كان هذا وحده بمثابة مظهر من مظاهر القيامة التي يظهرها الله لنا على الدوام. جميع الأجيال بما فيها من X وY وZ تشعر وكأنها تؤنب ضميرها كيف دفنت العديد من القيم والمبادئ أمام ناظريها.

ربنا الذي يخلق النار من أوراق الشجر ويعيد للحياة ربيعها من جديد كل عام بعد شتاء قاسٍ، قادر على إحياء مخلوقاته ولو تحولت إلى تراب. إن القيامة حق في هذه الدنيا أيضًا، حتى ولو سقط الناس في غفلة وضلال، ونسوا خالقهم واتخذوا إلهًا من شيء لا ينفعهم ولا يضرهم.

من "جيل عاصم" إلى جيل النهضة

بدأ سيزاي كاراكوتش حياته في الكتابة والشعر في مجلة "الشرق العظيم" (Büyük Doğu). لكن ومع ذلك فإنه لم يكن مرتبطًا بمؤسسها الراحل نجيب فاضل كيساكوراك، بقدر ما كان مرتبطًا بروحه وفكره بمحمد عاكف إرصوي، على الرغم من أنه لم يلتقيه بشكل مباشر، لكنه كان أقرب إلى إرصوي مع بعض الفروق المختلفة بالطبع.

كان إرصوي يحاول الحفاظ على الدولة الإسلامية المنهارة أن تبقى على قيد الحياة، وكان يحاول تسليم مهمة الحفاظ على هذه الحضارة التي تحتضر إلى "جيل عاصم"، بما يملكه من شعر ونضال، والأهم من ذلك التواضع والإخلاص، والاتساق بين إيمانه وكلماته، ومع حس التقدير والجمال الذي يتركه هذا الاتساق لدى الناس.

وفي المقابل، كان سيزاي يحاول التعبير عن تلك المهمة بـ"جيل النهضة"، لإحياء الأمة الإسلامية من جديد بعد فترة السبات التي مرت بها.

وما يشترك فيه كل من سيزاي وإرصوي هو الاتساق الرائع بين كلماتهما الجميلة وأفعالهما، مما يكون دافعًا حقيقيًّا لنسج عوالم وأجيال.

يعثر العالم في كلماتهم وأشعارهم على ملجأ فريد، تتخذ منه الأجيال مسكنًا تغذيه السكينة والهدوء. فهو يصف الواقع والتجربة والحياة بطريقة لا يمكنك حتى أن تعيش بها الواقع الذي أنت فيه بوضوح وإحساس.

أقول كل ذلك دون أن أشير إلى أي من أشعاره وقصائده، فحياته حافلة بمختلف الدرر الثمينة من هذه الأشعار، ولكل إنسان نصيب منها.

مات سيزاي، مات شاعر النهضة.. رحل وأبقى صدى صوته اللطيف حيًّا، حتى ذلك الصدى يفني في الحقيقة، والكل يفني، ولا يبقى سوى وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

+

خبر عاجل

#title#