انقلاب على المفتي - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

شهدت سوريا الأسبوع الماضي حدثًا هو الأول من نوعه في تاريخ البلاد، حيث ألغى رئيس النظام السوري بشار الأسد منصب "مفتي الجمهورية"، بمرسوم رئاسي، معلنًا نقل سلطة المفتي إلى مجلس العلماء الفقهي داخل وزارة الأوقاف.

وبموجب هذا القرار عُزل أحمد بدر الدين حسون من منصب الإفتاء، بعد تعيينه منذ عام 2005، لا سيما وأنه معروف بكونه أحد أكبر داعمي النظام في سوريا. وبمعنى آخر، خسر حسون الصراع بين دائرة الإفتاء ووزارة الأوقاف. كان صراعًا حادًّا شهدته السنوات الأخيرة.

لنتحدث أولًا عن دور منصب المفتي العام في الفترة القريبة مما تشهده سوريا، وعلاقة ذلك بالسياسة، ثم ماذا يعني إلغاء هذا المنصب في سوريا.

الفرنسيّون لم يُلمسوا

خلال فترة الانتداب الفرنسي في سوريا بين عامي 1920 و1946، لم يتدخل الفرنسيون كثيرًا في التسلسل الهرمي الديني الموجدود في البلاد. وطالما لم يحدث تمرد ما ضد حكومة الانتداب، فقد ترك الفرنسيون للشعب أمور تنظيم علماء الدين السوريين وتلبية الاحتياجات الدينية.

خلال الفترة التي توصف بالانتقالية من الانتداب إلى الجمهورية المستقلة، كان محمد شكري الأسطواني مفتيًا لسوريا، ويعتبر ابن عائلة من عائلات دمشق المرموقة. وعقب وفاة شكري الأسطواني، تولى الإفتاء عام 1955 محمد أبو اليسر عابدين.

كان أبو اليسر من أكثر العلماء خبرة وتميزًا في عصره، وظل في منصبه حتى انقلاب حزب البعث عام 1963. حيث كانت إقالة أبو الشيخ أبو اليسر من أولى أعمال إدارة البعث والتي تتشكل من ضباط علمانيين.

حينما أحس علماء دمشق في تلك المرحلة أن التسلسل الهرمي الديني الذي لم يجرأ حتى الفرنسيون على التدخل به، عرضة للتدخل من قبل نظام البعث، اجتمعوا فيما بينهم وقرروا انتخاب الشيخ حسن حبنكة الميداني مفتيًا للجمهورية السورية.

على الرغم من ذلك، فقد كان هذا التحرك متزامنًا مع تحرك الشيخ أحمد كفتارو، حيث كان الأخير على تواصل مع حزب البعث كي تميل الأمور لصالحه. ونتيجة لذلك حدث انقسام في صفوف العلماءن وفي النهاية انتخب كفتارو بفارق صوت واحد فقط.

40 عامًا مع حزب البعث

كان أحمد كفتارو شيخًا نقشبنديًّا وهو ابن لعائلة كردية هاجرت من ماردين إلى دمشق. شغل منصب الإفتاء 40 عامًا من عام 1964 حتى وفاته عام 2004، وكان مسؤولًا عن إضفاء المصادقة الدينية على كل عمل يقوم به حافظ الأسد، بما في ذلك المجازر التي قام بها نظام الأسد الأب.

لا شك أن الشيخ كفتارو أثّر في عموم الشعب السوري، سواء من خلال منصبه المفتي أو لكونه شيخًا محسوبًا على الطريقة الصوفية، لا سيما وأنه بنى مجمّعًا اجتماعيًّا عملاقًا باسمه وسط دمشق.

كان التعاون بين حافظ الأسد وأحمد كفتارو نوعًا من تضامن الأقلية، رئيس نصيري لأغلبية سنية، ومفتي كردي لأغلبية عربية.

عيّن أحمد بدر الدين حسون عقب وفاة كفتارو، مفتيًا للجمهورية السورية عام 2005، الذين كان مفتيًا لحلب في ذلك الوقت. وكما أن حسون نقشبندي كذلك مثل كفتارو، أقام أيضًا تعاونًا وثيقًا مع حزب البعث تحول إلى شراكة استراتيجيةة.

بل إن حسون تحول إلى بعثي متشدد مع بدء الثورة السورية عام 2011، ولم يتردد في الدفاع عن مجازر النظام وتوجيه الشتائم للسوريين الذين اضطروا للهجرة خارج البلد، في كل مناسبة. وفي الوقت ذاته كان يشعر حسون خلال انخراطه في معركة من أجل النفوذ مع وزير الأوقاف السوري محمد عبد الستار السيد، بأنه لا يزال يحظى بدعم بشار الأسد حتى وقت قريب. لكن إقالة حسون كشفت عن مفهوم راسخ في دوائر النظام السوري عامة، وهو: حينما تنتهي صلاحيته فألقِ به بعيدًا.

سيزيد النفوذ الإيراني

إن إلغاء منصب المفتي في سوريا، واستبداله بلجنة من العلماء الممثلين لكل طائفة ومذهب، لا شك أنه ليس مجرد هيكلة دينية فحسب. وفي الواقع هي محاولة تصميم سياسية بحتة وليست ترتيبًا دينيًّا فحسب. فمن عام 1964 إلى الآن، كان كبار المفتين ينتمون على الأقل إلى الأغلبية السنية، حتى ولو كانوا من المدافعين الأقوياء عن النظام.

وستشهد الفترة القادمة مظاهر أكثر وضوحًا على زيادة نفوذ إيران في التسلسل الهرمي الديني في سوريا، من خلال أعمال إعادة ترتيب المجال الديني والخطاب الديني هناك. تمامًا كما نجحت إيران طيلة الفترة الماضية في إقامة مواقع حج ضمن أجزاء كثيرة من سوريا، وتوجيه السكان الشيعية إلى تلك الأماكن، تقوم اليوم كذلك بأخذ زمام المبادة لإدارة المؤسسات الدينية في سوريا وتوجيهها.

ولا شك أن سوريا التي كنا نتحدث عنها طيلة الفترات السابقة ضمن سياق الحرب، ستشهد تطورات في غاية الأهمية في سياقات أخرى سببته الحرب. ويمكن أن نشهد تغيير الهوية الدينية والثقافية التي يحافظ عليها بلد مثل سوريا منذ عدة قرون. وإذا كنا سنناقش القضية السورية في سياق "التدخل الأجنبي" فهذه هي النقطة الأساسية التي يجب مناقشتها.

+

خبر عاجل

#title#