الديمقراطية الأوروبية والفرنسية في دوامة الإسلاموفوبيا - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

الديمقراطية الأوروبية والفرنسية في دوامة الإسلاموفوبيا

على الرغم من جميع الجوانب الجيدة للديمراطية التي اكتشفها العقل البشري المشترك لتكون نموذجًا في الحكم، إلا أنها تعاني في الوقت ذاته من معوقات كبيرة. ومن أبرز هذه المعوقات هو وجود إغراء مرتفع في تحقيق مكسب من خلال الخطاب الشعبوي والسياسات الشعبوبة، دون وجود إدراك بأن التعلق بهذا الإغراء يمكن أن يقضي على جميع المكتسبات الحسنة للديمقراطية، أو يجعلها فارغة.

لا سيما وأن الطريق مفتوح أكثر من اللازم لأولئك السياسيين الفاشلين الذين لا يملكون أي أفق واضح، في سبيل اعتماد الخطاب الشعبوي كاستثمار رخيص وجاهز في محاولة لخطاب الجماهير وكسبهم.

إغراء الشعبوية في عالم الديمقراطية

وفي المقابل، نجد أن هناك شريحة من الناس تصفق ولسوء الحظ لهذا الخطاب الذي يقوم على مجرد وعود كاذبة، وقلب للحقائق عبر نظريات مؤامرة لا تمت للواقع بصلة، واللعب على وتر الكراهية والحقد والتحريض.

وفي الحقيقة يمكن القول أن هذا النوع من الخطاب يمثل تهديدًا حقيقيًّا للديمقراطية، يفوق بدوره أي تهديد خارجي آخر لها، وإن التهديدات التي تتعرض لها الديمقراطية الأوروبية اليوم هي من هذا النوع بالذات.

ولهذا السبب نجد العلاقة بين خطابات الإسلاموفويا أو معاداة اللاجئين من جهة، وبين الأجواء الانتخابية في أوروبا، علاقة قوية ومرتبطة فيما بينها بشكل مباشر. ولذلك كلما سارت البلاد نحو عملية انتخابية ما، نجد أن الخطاب الأكثر رواجًا للسياسيين يقوم على الإسلاموفوبيا ومعاداة اللاجئين.

فيروس الإسلاموفوبيا في فرنسا في تصاعد متزايد

تعيش فرنسا اليوم أجواء عملية انتخابية قريبة، ومن المتوقع بالتالي أن تشهد البلاد زيادة كبيرة في خطاب الكراهية ضد الإسلام في هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، نجد أن خطاب المرشح الرئاسي العنصري، إريك زمور، يمكن أن يتحول إلى وعود عنصرية، مثل وعده بحظر اسم "محمد" في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية. بل يمكن أن يصل الأمر إلى اقتراح استهداف المسلمين في فرنسا بشكل مباشر، والتشهير بهم، وتذكيرهم بالتمييز القانوني الممارس ضدهم. وفي هذا الصدد نشر موقع إلكتروني محسوب على اليمين المتطرف في فرنسا، قائمة بأسماء 300 مسلم عرفهم بأنهم "يساريون مسلمون"، في خطوة غير مسبوقة من استهداف المسلمين بشكل مباشر.

لا تشعر فرنسا الآن أن تتستر أصلًا أو تخفي عداءها الاستثنائي للإسلام. والأهم من ذلك أن خطابات السياسيين العنصريين واليمينيين المتطرفين، وإن كانت تبدو متطرفة في البداية، لكنها سرعان ما تجد قبولًا لها في المجتمع بعد وقت قصير. وذلك لأن الخطاب اليميني المتطرف بمجرد أن يبدأ، دون أن توقفه مبادئ أو قوانين صارمة، يتحول إلى حالة من الإغراء تصيب أصحاب هذا الخطاب، ليتوجهوا بقوة أكبر في الحصول على نصيب ما من مكاسب هذا الخطاب. وبهذه الحالة يتحول الوضع إلى عدوى للفاشية على صعيد المجتمع بأسره.

ولا شك أن مصادقة المجلس الدستوري الفرنسي على قانون التمييز بحق المسلمين، المعروف بـ"مكافحة الإسلام الانفصالي"، في أغسطس/آب الماضي، كان بمثابة تشريع رسمي من قبل الدولة لمحاولات التدخل بسهولة في حياة المسلمين بفرنسا.

وفي نطاق هذا القانون الذي يسمى كذلك بـ"مبادئ تعزيز واحترام قيم الجمهورية"، أغلقت العديد من الجمعيات والمساجد، كما استهدفت النساء المحجبات، فضلًا عن دور النشر. بل إن وزارة الداخلية الفرنسية أعلنت إغلاق نحو 30 من أصل 89 مسجدًا، في إطار هذا القانون الفاضح. ولا تزال الآن في صدر إغلاق 6 مساجد أخرى.

في الواقع، لا تقتصر هذه الخطوات على كونها اعتداء على الإسلام فحسب، بل هي تعني الانتحار باسم القيم الفرنسية المزعومة.

حاجة الديمقراطية إلى بعض التدابير

يُنظر إلى فرنسا على أنها مهد الديمقراطية والتنوير والعلم والجمهورية وحقوق الإنسان، وبالتالي مهد جميع القيم الأوروبية على مستوى أوروبا. قد يكون هناك العديد من الأسباب وراء تراجع فرنسا إلى هذا الحد، لكن أولًا وقبل كل شيء يجب مناقشة ذلك تحت عنوان مخاطر أو مشاكل الديمقراطية المباشرة.

إن المشكلة التي نواجهها في هذا الصدد هو أن حدود الديمقراطية على صعيد حقوق الإنسان والحريات الدينية لم ترسم بشكل واضح. ويمكن قراءة ذلك بوضوح لو استبدلنا الحديث عن المسلم في فرنسا، باليهودي الموجود هناك. فمثلًا لا يلجأ أحد في فرنسا إلى أي نوع من خطابات الكراهية ضد اليهود، لأن القانون يجرّم حتى الإيحاءات المندرجة تحت معاداة السامية، بل أن الوضع يصل لدرجة أن اليهودية معفاة من أي نوع من الانتقاد الموجه لها.

لكن في المقابل، حين الحديث عن المسلم والإسلام في فرنسا فالصورة مختلفة تمامًا. نحن لا نطالب بالطبع إعفاء المسلمين أو الإسلام من الانتقاد الموجه، بل نطالب بضرورة حماية المسلمين والإسلام هناك من خطاب الكراهية والحقد وبالطبع من الممارسات التمييزية. وإلا فإن النتائج السلبية لذلك لن تقتصر على المسلمين فحسب، بل على فرنسا نفسها وأوروبا والديمقراطية بصورة أعم.

هل الإسلاموفوبيا في تركيا مستوردة من فرنسا؟

يبدو أنني أسمع أشخاصًا يسألون عما إذا كنا في تركيا، في وضع أفضل بكثير في هذا الصدد. في الواقع، لا يزال الوضع في فرنسا يقدم لنا دروسًا ثمينة، نحن الذين أخذنا العلمانية والديمقراطية من خلال النموذج الفرنسي.

ألا نشاهد كيف أن الحركة التي بدأت كحركة مناهضة للاجئين، ذهبت إلى أقصى الحدود ثم تحولت إلى فاشية انتشرت في المجتمع بأسره وقضمت كل القيم والفضائل والخير والمكتسبات التي صنعت تركيا؟

بعد فترة، ألا يجرؤ معادو اللاجئين على توجيه خطابات معادية للمسلمين تفوق خطابات اليمين المتطرف في أوروبا؟

في تلك اللحظة بالذات، ألا تشعر بمرارة أن بلادنا تحت احتلال أعداء الإسلام دون أن تعرف ذلك؟

+

خبر عاجل

#title#