هناك جانب اجتماعي في علم الاقتصاد - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

لا شك أن الاقتصاد هو مجال تخصص، لكنه في الوقت ذاته مجال يجعل الجميع يتسابقون فيه سواء كانوا متخصصين أم لا. وهذا قد يجعل المتخصصين متذمرين من ذلك، ويرون أنفسهم محقين في هذا التذمر، إلا أن ما يغيب عن أذهانهم هو أن جميع القرارات والسياسات المتخذة في هذا المجال تؤثر بشكل مباشر على الجميع من أهل الاختصاص وغيرهم.

حينما تنتظر فئة قليلة من باقي الناس أن يتنحوا عن مجال يؤثّر في حياتهم ومعيشتهم بشكل مباشر، بحكم أن هذه الفئة متخصصة، يحتاج إلى الكثير من التكنوقراطية.

يذكر أنتوني غيدنر، وهو أحد أبرز علماء الاجتماع، أن خاصية عالمنا الحاضر اليوم، تكمن في كون الناس لا يتركون الأمر لفئة من المتخصصين فحسب، لا سيما في القضايا التي تهم وتعني الجميع مثل الاقتصاد والطب والدين، بل يشاركون في الحديث عنها والنقاش حولها وإنتاج المعلومات.

كما يصور غيدنز هذا الوضع على أنه مستوى لـ"انعكاسية" المجتمع الحديث.

لا يمكن للمجتمع الذي يعيش لحظة بلحظة مع التطورات الاقتصادية، أن يترك الأمر كله للخبراء فقط لتحديد السلوك الاقتصادي.

نقول على الدوام؛ الاقتصاد ليس عبارة عن اقتصاد فحسب، وأن عدم أخذ الخبراء الاقتصاديين في الحسبان تأثير الاقتصاد على المجالات الأخرى التي يرتبط بها، يجعل في الغالب تحليلاتهم الاقتصادية تذهب سدى.

إنهم ينظرون للأمر على أنه عمليات رياضية بحتة، ومن ثم يبنون عليها جميع حساباتهم وتوقعاتهم أو مقترحاتهم السياسية. إلا أن الاقتصاد في النهاية مسألة تتعلق بالناس، وبالتالي بالسلوك البشري، وهذا السلوك بدوره يخضع لجميع أنواع التأثيرات المادية والروحية، ثم يؤثر كذلك على كل شيء.

إنني أكنّ احترامًا كبيرًا للتخصص والخبرة. لكنني لم ولن أراهن يومًا ما على الجزء الاقتصادي الذي يقتصر على الرياضيات فحسب، ويتربط بعمليات اقتصادية بحتة. لا سيما وأن الاقتصاد باعتباره مؤسسة اجتماعية يرتبط بشكل وثيق بالدين والأسرة والتعليم والسياسة وعادات الترفيه وأنماط السلوك الأخرى، وهذه النقطة بالذات تجعل الاقتصاد موضوعًا لا يمكن تركه للخبراء الاقتصاديين فحسب.

إن المفاجآت التي نشهدها في مجال الاقتصاد، والتي تدفعنا في الحقيقة لإعادة النظر في جميع النظريات الاقتصادية، لم تعد تقتصر على مجرد استثناءات عابرة فحسب. والسبب الرئيسي لذلك في الحقيقة هو تجاهل العوامل الأخرى في الاقتصاد على الدوام.

حين النظر من منظور المعطيات الاقتصادية البحتة، فإننا لا ننعثر على أي سبب موضوعي للضغط الممارس على أسعار الصرف الذي تعاني منه تركيا في الآونة الأخيرة. ولا يمكن العثور أيضًا على سبب وتفسير اقتصادي لردة الفعل الحاصلة في ارتفاع سعر الصرف إثر انخفاض أسعار الفائدة، على الرغم من نمو الصادرات والإنتاج الصناعي بأرقام قياسية، وانخفاض العجز التجاري إلى مستوى قياسي تقريبًا، وتزايد الاستثمارات الجديدة بسرعة هائلة في بيي ذات اقتصاد ديناميكي.

وهذا الأمر يدفع للبحث عن تفسير منطقي لما يجري، لكن ضمن المجالات والمسببات غير المرتبطة بالاقتصاد، مثل السياسة والتعليم والدين وعلم النفس الاجتماعي بمعناه الواسع.

هناك عنصر هام هو "الثقة"، وحينما يواجه اقتصاد ما أزمة ثقة فإنه لن يتمكن من الحفاظ على نفسه بغض النظر عن درجة قوته وحجمه، ويمكن التعامل مع هذا كقاعدة اجتماعية راسخة.ى

ولذلك تعتبر الثقة أهم مصدر لرأس المال الاجتماعي. ومن الحقيقة بمكان هو أن ثقة الناس ببعضهم البعض، وثقتهم بالدولة ومؤسساتها، وترجيهم المصلحة الاجتماعية على الفردية، تشكّل عمق رأس المال وتؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد.

وبخلاف ذلك، فإن فقدان العمق في رأس المال الاجتماعي يمكن أن تكون له عواقب مكلفة على المجتمع بأسره. وإن الأفراد الذين يفكرون بمصالحهم الخاصة ويميلون إلى السلوكيات الأنانية؛ يسعون لتحقيق مكاسب فردية فقط، دون أن يدركوا أن هذا السلوك يؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة المجتمع بأسره، بما في ذلك هم أنفسهم. وحينما تتحول القيم السلبية مثل الجشع والأنانية إلى سلوك جماعي فهذا يعني أن الكارثة حادثة لا محالة.

لا يمكن العثور على أي مبرر اقتصادي يشرح سبب عدم الثقة التي كانت تكتنف الليرة التركية حتى مساء الإثنين الماضي، بغض النظر عن الطريقة التي ينظر بها كل أحد. لا سيما وأن منظور علم الاقتصاد الأساسي يؤكد على أن الفائدة عدو الإنتاج والتنمية. وما نعنيه هنا بالاقتصاد الأساسي هو الاقتصاد الذي يعود بالنفع على المجتمع كله لا على فئة خاصة فحسب. أما أصحاب المنفعة الفردية الخاصة الذي يعيشون على الربا ويقتاتونن منح القروض بالفائدة، فهؤلاء بالطبع ينظرون للفائدة كأفضل وأسرع وأضمن طريق للربح، ناسين في الوقت ذاته أنه طريق تنعدم فيه الأخلاقية، لأنه يجلب لصاحبه فقط الربح بينما يعود على المجتمع بالكارثة.

كانت هناك دعوات سياسية وتحريضية من أجل عدم الثقة في الليرة التركية، وهناك من استجاب لهذا التحريض بالفعل وراح يستثمر بالدولار، بدوافع مختلفة للغاية بعيدة عن جلب أي منفعة وطنية أو مجتمعية، بل تقتصر على تحقيق مكاسب خاصة به فحسب، ربما بسبب الاستياء من الحكومة، وربما وفق غريزة حماية ما لديه من مدخرات.

وبينما أدى هذا الاستثمار إلى سقوط كارثي لليرة التركية، أضرّ في الوقت ذاته بالمجتمع وكلّفه الكثير. لكن بالطبع لا ننسى أن هناك أيضًا من لم يشارك بهذه الحملة من الأساس، وأيقن أن ما يجري ليس وضعًا يصعب التعامل معه أو شبيهًا بقواعد الرياضيات الحتمية.

من الدروس المستخلصة مما جرى هو وجود سياسة تستثمر في الكارثة الاقتصادية التي تسبب انعدام الثقة، ومن الملاحظ أن هذه السياسة تحظى بتأثير سيء للغاية.

لكن في المقابل، من الواضح أن النفسية المحبطة التي تمخضت عن فشل من وثق بهذه السياسة الرخيصة من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية؛ قد ولّد طاقة معاكسة لا مفر منها.

من الضروري النظر إلى الأداة المالية الجديدة التي أعلنها الرئيس التركي أردوغان، على أنها قد طمأنت وأقنعت أولئك الذين أصيبوا بالذعر في تلك المرحلة. وإن ردود الفعل التي أظهرها أولئك الذين كانوا مستعدين أصلًا لتصديق الرئيس أردوغان والثقة به، تمكنوا من التخلص من كل الشحنة السلبية التي خيمت عليهم طيلة الأسابيع الماضية بينما كان الدولار في صعود، ولقد فرّغوا هذه الشحنة بحلول سويعات فقط.

لكن على الرغم من كل ذلك، هناك من يصرّ على رؤية هذه الخطوة أنها "فائدة مبّطنة"، ويحاول تبرير مزاعمه ووجهة نظره حول الفائدة. ولا نملك من أجل إقناع هؤلاء سوى تذكيرهم بأمر واحد، هو أن التجارة والفائدة حينما النظر إليهما من جهة واحدة يمكن عقد تشبيه كبير بينهما. إلا أن الله قد أحل التجارة وحرّم الربا.

+

خبر عاجل

#title#