عاكف إرصوي والنشيد الوطني - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

يصادف اليوم الذكرى الخامسة والثمانين لرحيل محمد عاكف إرصوي، الشاعر الكبير صاحب نشيدنا الوطني، والرجل العظيم والمفكر البارز في القضية الإسلامية التي ظلت حاضرة في وجدانه بشكل متواصل من عهد الدولة العثمانية إلى تأسيس الجمهورية التركية.

كانت الرئاسة التركية بمناسبة مرور 100 عام على اعتماد نشيدنا الوطني، قد أعلنت العام الجاري 2021 عام النشيد الوطني وعام عاكف إرصوي. وبذلك أصبح هذا العام وسيلة للتعرف بشكل أكبر على كل من النشيد الوطني وشاعره عاكف، ولقد أقيمت العديد من الفعاليات في هذا الصدد.

لا شك أن النشيد الوطني التركي هو تعبير شاعري يكشف غاية ومعنى وفلسفة حركة النضال الوطنية التي خاضتها تركيا ضد قوات الاحتلال الإنكليزي واليوناني والفرنسي والروسي والإيطالي.

إنه بمثابة البيان الرسمي الذي تمخض عن حركة النضال الوطنية. بل إنه ميثاق بين المشاركين في هذا النضال يشرح ما كانوا يهدفون إليه، وشكل العالم الذي يريدون تأسيسه.

كان هدف هذا النضال هو إقرار حق شعب في الحصول على الاستقلال وأن يكون "عبدًا لله الحق" فقط، وليس عبدًا لأي أحد كائنًا من يكون. ولقد أقر المجلس البرلماني الأول هذا الميثاق الشعري بكل ترحيب وتوقير. فهو ميثاق وعهد على عدم منح التفويض لأي بلد، وعدم تأليه أي إنسان، وعدم تأسيس أي نظام لا يقبله "الحق".

وبمناسبة "عام عاكف إرصوي" علينا أن نبدأ من هنا حتى نفهم شاعرنا بشكل أكبر. وضمن هذه الرؤية يبرز فيلم "عاكف" الذي ينتجه باران مايدا، ويخرجه سعد الله شان تورك، وأتولى فيه مهمة الاستشارة الفكرية والمفاهيمية. أما عن دور "عاكف" فيلعبه الممثل ياووز بينغول، بينما يلعب فكرت كوشكان دور "مصطفى كمال أتاتورك.

لعل أهم النقاط المفاهيمية في هذا العمل هو تركيزه على العام الذي تم فيه هذا الميثاق المجتمعي، أي العام الذي كُتب فيه النشيد الوطني، وليس الذي سبقه أو تلاه.

كان لدى أصحاب الهيئة التي أقرت هذا الميثاق خلافات متعددة فيما بينهم، قبل أن يجتمعوا لإقرار الميثاق. وهم أنفسهم كذلك قد دخلوا في خلافات متعددة فيما بعد. لكن النص المرجعي الذي سيحكم فيما بينهم ويقرر من هو المخطئ والصحيح؛ هو النشيد الوطني ذاته في الأصل.

ولهذا السبب نجد أن هذا العمل (الفيلم) اقتصر على السياق أو المرحلة التي صيغ فيها هذا النص المرجعي (النشيد الوطني). لقد ركّز على المرحلة التي انتقل فيها الشاعر عاكف من العاصمة إلى الأناضول، وأزمات النضال خلال تلك المرحلة، وجميع الجوانب الأخرى من الدراما والسياق التاريخي والمعنوي.

في تلك الأثناء وعلى الرغم من النقاش المثار بين مصطفى كمال ورفاقه في النضال الوطني، لم يكن هناك خلاف حقيقي بارز. كان للسياسة والمعارك التي وُجّهت ضد النضال الوطني من قبل السلطنة التي كانت مسلوبة من إرادتها الحرة تحت الاحتلال، دور مهم؛ لكن في المقابل كان لكل من محمد عاكف إرصوي وحسين عوني وربما سعيد النورسي ومثله من قادة الرأي الديني دور مهم للغاية في إقناع الأناضول التي كانت تحت تأثير العاصمة.

لا سيما من خلال القول المشهور الذي قاله مصطفى كمال نفسه لمحمد عاكف في ذلك الوقت؛ "لا يمكن كسب الحرب على الجبهات فقط، بل للبعد الروحي/المعنوي دوره أيضًا"، مما دفع محمد عاكف للسعي من مسجد إلى مسجد ومن ميدان إلى ميدان يحث الناس بالأدلة الدينية على ضرورة مقاومة الاحتلال.

بل إن الأسباب التي حثّ بها الناس مصطفى كمال ذاته، لم تكن سوى قدسية الإسلام، والحفاظ على وطن الإسلام والمسلمين، بل وحتى صلاح الخلافة أيضًا. وبموجب هذه الأسس انطلق النضال الوطني الذي توافق عليه الجميع وفق نشيد الاستقلال الوطني.

وفي هذا السياق، لا تبدو الانتقادات حول بروز دور مصطفى كمال في فيلم عاكف مهمة للغاية. بل ربما يكون للفيلم ذاته وأداء الممثلين تأثير في ذلك، لكن علينا أن لا ننسى أنه في تلك الحقبة الزمنية التي استمرت لعام واحد، كان كل من مصطفى كمال ومحمد عاكف كانا رفيقين في طريق واحد وقضية واحدة، ويخدمان الهدف ذاته.

كان مصطفى كمال إسلاميًا حتى النخاع خلال سنوات النضال الوطني، سواء من حيث الخطاب أو الإدارك، أما ما حدث بعد ذلك ولماذا فهو موضوع منفصل، وقابل للنقاش بالطبع. لكن الشيء المهم اليوم أن نتذكر ونذكّر ونراجع المرجع الرئيسي لماهيتنا كأمة، والتي قد أسست على النضال الوطني، وان نتذكر كذلك البيئة التي كانت تعتمد على ذلك المرجع. ومن ثم سندرك كأمة من خلال هذه المساحة المرجعية ما الذي فقدناه وأين.

إن النشيد الوطني بمقاطعه العشرة، بمثابة نص يعكس بشكل واضح روح ومفهوم شاعره محمد عاكف في خلفية القتال على الجبهات.

إن الخلاص لا يعني الموت الجسدي، بل يعني عدم انطفاء نور القضية التي يمثلها أبناء هذا البلد بكل أبعادها، ذلك النور القادر على إحياء الإنسانية. وإذا كانت حيوية هذا البلد لا تسلط ذلك النور على المظلومين حول العالم، فلا يمكن الحديث عن الخلاص إذن.

لقد شرح نشيد الاستقلال (النشيد الوطني) جميع ذلك، ويحكي لنا اليوم أن تركيا وصلت بعد شوط طويل إلى نطقة من شأنها أن تنير آفاق الشعوب المضطهدة الذين يواجهون وحش ما يسمى المدنية التي شارفت على الزوال بعد أن فرغت جعبتها بالكامل.

من المعلوم أن محمد عاكف ومن كان على دربه؛ جميعهم قد تعرضوا للتصفية بطرق مختلفة، عقب فترة وجيزة فقط من انتهاء النضال الوطني وإعلان الاستقلال، وحينما ضاقت عليهم الأرض بما رحب ضاقوا ذرعًا بالحياة التي تحاصرهم، فمنهم من أُعدم ومنهم من انزوى في بيته، ومنهم من غادر البلد مثل محمد عاكف نفسه.

وإلى اليوم لا يزال البعض يسير وفق عقلية التصفية والتهميش، ويزعم أن المحافظين والإسلاميين مثل محمد عاكف ومن سار على دربه لم يشاركوا في النضال الوطني، بطريقة تخالف الحق والحقيقة والصواب.

علينا أن نواصل وقوفنا في وجه هذا الفهم الذي يحاول أن يكون ذكيًا، ويعتبر أن صياغة التاريخ واللعب به أسهل من صنع التاريخ وكتابة النشيد الوطني.

أدعو الله أن يرحم شاعرنا محمد عاكف إرصوي، كما أنني أهنئ جميع من ساهم في عمل فيلم "عاكف"، من مخرج ومنتج وممثلين، وأتمنى أن يحظى بعرض لائق ومتابعة كبيرة لا سيما من الشباب.

+

خبر عاجل

#title#