بمناسبة "عاكف".. إذا كان هناك ملف يجب فتحه للحديث فلنبدأ من هنا - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

بمناسبة "عاكف".. إذا كان هناك ملف يجب فتحه للحديث فلنبدأ من هنا

إن حضور محمد عاكف إرصوي والنشيد الوطني الذي كتبه؛ في حركة النضال الوطني، يعطي صورة واضحة لمشاعر ودوافع حرب الاستقلال. ولا قيمة لأي قصة استقلال مكتوبة أو محكية أهملت أو حاولت إهمال هذه الصورة.

من ناحية أخرى، وبمناسبة مرور 85 عامًا على رحيل عاكف إرصوي، ومرور 100 عام على كتابة النشيد الوطني، نجد أن هناك جانبًا مفيدًا بالفعل من أجل فتح نقاش حول حركة النضال الوطني في تركيا.

من الواضح جدًّا أن النشيد الوطني وما يحويه من فلسفة ومعاني، كان أحد أقوى المراجع التي اعتمد عليها حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم والمحافظ، والذي نجح في كسب ثقة الشعب، والبقاء في السلطة منذ 20 عامًا من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

لقد اعتمد حزب العدالة والتنمية على الروح الموجودة في هذا النشيد كأساس أغناه عن إثارة النقاشات حول ما سواها من أحداث أو صراعات أو انقسامات أو حسابات، بل أحالها إلى التاريخ والضمير.

فلا فائدة من أي حسابات تاريخية حينما يتم إقحامها في الزمن الحاضر. ولقد قدم في الواقع تضحيات كبيرة من أجل عدم إثارة هذه الحسابات التاريخية وجرّها نحو الحاضر، الشيء الذي جعله يتبع سياسة "الصمت" نيابة عن المجتمع المحافظ كله.

ولذلك فقد رأى أن المهم والكافي هو إبراز أرضية المصالحة التي تشكلت في السياق التاريخي الذي كتب فيه النشيد الوطني، على اعتبار أن ذلك قيمة مشتركة للجميع.

ومع ذلك فإن "اليعاقبة" الذين لم يكتفوا بمناخ المصالحة، أرادوا الحفاظ على الامتيازات الجائرة التي حازوا عليها بطرق تعسفية من خلال فرض الأمر الواقع والانقلابات وقوة السلاح والتطهير في مرحلة ما بعد النشيد الوطني باعتبارها حقوقًا مكتسبة، وبالتالي كانوا يرغبون في إحياء هذه الامتيازات.

لا يحتاج الأمر من أجل تكذيب ودحض مزاعم أن "المحافظين لم يشاركوا في حركة النضال الوطني، بل على العكس اصطفوا بجانب السلطنة والاحتلال"؛ سوى مراجعة نشيد الاستقلال الوطني من جديد، وهذا يكفي.

من يزعم ذلك يغفل بالتأكيد أو يجهل أن حركة النضال الوطني كانت تصف نفسها بالقوات الوطنية و"دار الإسلام" وتعني بذلك حركة إنقاذ الوطن، وهي ذاتها لم تعتمد إلا على الحجج والدوافع الإسلامية من أجل حذ أهالي الأناضول على الانضمام لهذه الحركة.

ولولا الإسلام والشعور الديني لدى المسلمين، لما كانت هناك مشكلة لدى أي شعب يقبل بالبقاء تحت حكم كافر.

وذلك فإن الشيء الذي جعل من قطعة أرض وطنًا لشعب الأناضول، هو المعني الإسلامي القائم في هذه الأرض، هو الهلال، هو الحرية، هو الأذان الذي يصدح من مآذانها الحرة.

كانت الحرية شرطًا من أجل إقامة صلاة الجمعة، وبينما لم يكن أئمة المساجد من إقامة صلاة الجمعة في غازي عنتاب وكهرمان مرعش وأجزاء كثيرة من البلاد في ذلك الوقت بسبب الاحتلال، تحول هذا الوضع إلى دافع قوي يحث الناس على الجهاد من أجل إنقاذ وطن وأراضي المسلمين.

على سبيل المثال، عندما رأى "رضوان هوجا" راية العدو تعلو قلعة في كهرمان مرعش، قال؛ "لا يمكن أن نكون أحرارًا وراية العدو تعلو هذه القلعة، ولا يمكن إقامة صلاة الجمعة في بلد ليس حرًّا"، لتضيء هذه الكلمات شعلة المقاومة الفريدة. ومن المعروف أن هذه الكلمات أيقظت شعور الناس فغضبوا وثاروا، وتمكنوا من أداء صلاة الجمعة بعد إنزال راية العدو من القلعة.

وفي مرعش ذاتها أيضًا، بدأت المقاومة حينما واجه الشيخ الإمام "سوتشو" جنديًا فرنسيًّا أطال يده نحو حجاب امرأة مسلمة، فلم يتردد الإمام عن تلقين ذلك الجندي درسًا فقتله لتبدأ المقاومة. ولقد كانت هذه المقاومة التي بدأها الإمام "سوتشو" شعلة حرب الاستقلال إلى حد كبير.

بل إن مصطفى كمال أتاتورك ذاته كان يستقي مرجعيته بالكامل إبان حرب الاستقلال من قيم الإسلام ومشاعره، ويتغذى من الروح الجهادية التي تميز بها شعب الأناضول. وما لقب "غازي" الذي يلقب به إلا جزءًا لا يتجزء من مفهوم الجهاد الإسلامي، ولولا الجهاد فلا معنى لهذه الكلمة، ولم يمنح هذا اللقب إلا من القوة التي يحتاجها من الجمهور المسلم وشرعيته ودعمه.

بعد كل هذه الحقائق والشواهد فإن من يقول اليوم أن المحافظين لم يشاركوا في حرب الاستقلال، فهو ليس سوى أجنبي عن هذا البلد وبعيد كل البعد عن روحه وحقائقه. فهل كان أحد غير المحافظين إبان حرب الاستقلال؟

من ناحية أخرى، نعم كانت هناك حركة/شريحة عارضت حركة النضال الوطني، وفق أسس وحجج دينية. لكن هذا لا يعني أن المحافظين لم يشاركوا في حرب الاستقلال، أو أنهم جميعهم عارضوها، بل على العكس من ذلك فقد كان الفكر الإسلامي المحافظ هو الفهم السائد في المجتمع كله في ذلك الوقت، وكذلك الأحزاب كانت كلها في سباق لإثبات أنها الأنسب تمثيلًا لهذا الفهم.

أما ما حدث بعد حركة النضال الوطني فقد كان مأساة لهذا البلد. حيث استسلم للثقافة الوحشية التي كانت تحاربه للتو وقد خارت جميع قواها. وعاد يستورد تحت اسم "ثورة" جميع ما كان قد ألقاه في البحر من ثقافة العدو وعقيدته وقيمه وكتاباته ولباسه.

بل وبدأ بمطاردة وملاحقة عنيفة للقيم الدينية والاخلاقية لهذا البلد، فأنهى التعليم الديني، وهمّش العلماء الذين كانوا رواد حركة النضال الوطني، وصفّر تأثيرهم في المجتمع، وأهان الحجاب الذي من أجله انطلقت أول شعلة من حرب الاستقلال.

وبالطبع لم يحدث كل ذلك بمباركة وموافقة المحافظين بل كان رغمًا عنهم، وعلى حساب حياة وسمعة من قاوم منهم. لم يكن هناك أي بعد ديمقراطي لما كان يجري. وحتى محمد عاكف إرصوي شاعر النشيد الوطني الكبير وبطل النضال والشاهد الحي على حرب الاستقلال، والذي يمتلك صفة إنسانية لا تضاهى، تعرض هو نفسه للمضايقات حتى اضطر لمغادرة البلاد.

إذا كان هناك ملف يجب فتحه للحديث فهذا هو الملف. وذلك الملف هو ما حدث من انحراف عن شروط وروح ومعنى النشيد الوطني لسبب أو لآخر في السنوات اللاحقة من حرب الاستقلال.

لا يمكن كتابة تاريخ النضال الوطني على أساس الفكر والموقف السياسي الذي أظهره أتاتورك لاحقًا. بل يجب كتابته على أساس النشيد الوطنيكنص مرجعي مشترك لم يتعرض للعبث أو التحريف.

ما يعنيه هذا العلم وهذا النشيد من "الموقد الأخير" بالتأكيد لا يعني ما حصل لاحقًا عقب انتهاء حرب الاستقلال.

وفي الحقيقة، لا نوصي هؤلاء أن يفتحوا هذا الملف اليوم، حيث سيتعين عليهم رؤية وسماع أشياء لم يكونوا يريدونها أبدًا.

+

خبر عاجل

#title#