الجاهلية - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

أطلق المؤرخون على البيئة الدينية والاجتماعية والفكرية التي عاش فيها العرب في فترة ما قبل الإسلام بوقت قصير؛ مصطلح "الجاهلية".

هذا المفهوم الذي ورد في القرآن والأحاديث أيضًا لا يعني الأمية أو قلّة المعلومات أو الجهل بالعالم كما يتبادر إلى الذهن أولًا.

بل إنه يعبر عن البعد العام للحكمة والإنصاف والفطرة والطبيعة والأخلاق النقية والسمات البشرية الرئيسية.

وقد كانت الشعوب العربية القديمة، في المشهد العام، هي "المجتمع الجاهلي"، مع بعض الاستثناءات الطفيفة، على الرغم من أن هذا "الجاهلية" قد استبدلت بنور الإيمان والطبيعة النقية بظهور الإسلام، إلا أن خطر الانزلاق في "ظلام الجاهلية" ممكن دائمًا للأفراد والمجتمعات.

وذلك لأن الجاهلية ليست فترة في التاريخ فقط، فهي عملية تدهور وانحلال يمكن تكرارها عند استيفاء شروط معينة. ولذلك تعتبر الجاهلية خطرًا محدقًا، منتشرًا في جميع أنحاء العالم ويختبئ دائما في كمين منتظرًا الفرصة السانحة لإخراج رأسه.

ما دفعني لبدء المقال بمثل هذه التفاصيل الفنية كان خبرًا مخيفًا في صحيفة الغارديان البريطانية قبل يومين. وركز الخبر الذي يحمل عنوان "العائلات تريد الأطفال الذكور بأي ثمن" على العداء تجاه الفتيات في المجتمع الهندي. في الملف الذي يسلط الضوء على عدائية المجتمع الهندي للمرأة، والذي تضمن شهادات نساء منبوذات لأنهن لم ينجبن الذكور، وبعضهن أُجبرن على الإجهاض عندما تبين أن طفلهن كان بنتًا، ذكر أن حوالي 46 مليون فتاة تم التخلص منها عمدًا في الخمسين عامًا الماضية في الهند. حيث قُتلت بعض "الفتيات المفقودات" بالإجهاض الطوعي أو غير الطوعي قبل الولادة، وبعضهن قُتلن بعد الولادة.

وكانت الأخبار المماثلة أيضًا على جدول أعمال الصحافة العالمية في عام 2019. عند فحص سجلات المواليد في ولاية أوتاراخاند شمال الهند، وجدت السلطات أن الذكور فقط هم من ولدوا في بعض المناطق لشهور. كانت الحقيقة، بالطبع، كما سيتبادر للأذهان: في الواقع، كان هناك العديد من الفتيات الصغيرات اللواتي ولدن أو كنّ على وشك أن يأتين إلى الدنيا، لكن لم يُسمح لهن بالقدوم والعيش.

على الرغم من حظر تحديد حق الطفل في الحياة حسب جنسه رسميًا في الهند عام 1994، إلا أن الموضوع مازال يُعمل به مع كل أسف، وفي التقارير المنشورة حول الموضوع، تم ذكر خمسة أسباب رئيسية لكراهية الفتيات:

• اعتبار الفتيات عبئًا ماديًا على الأسرة

في المجتمع الهندي، من التقاليد الراسخة أن تأخذ الفتيات المتزوجات قدرًا كبيرًا من المهر والسلع معهن. لذلك، في نظر العديد من الأسر، الفتيات "مصدر الضرر الذي سيغرقهن". لسوء الحظ، فإن عدد النساء اللواتي يتعرضن للإذلال والضرب وحتى القتل لأنهن "لا يجلبن ما يكفي من المهر" في الأسر التي يكونن فيها عرائس مرتفع للغاية للأسف.

• مساهمة الأولاد الذكور الاقتصادية في الأسرة

حقيقة أن الذكور هم المصدر الرئيسي للعمل في كل من المناطق الريفية والحضرية هو سبب آخر للموقف السلبي تجاه الفتيات. تعتبر الفتيات ضعيفات وذوات مردود منخفض من ناحية الإنتاجية في العمل.

• الأهمية تعزى إلى استمرار الأنساب من ذرية الذكور

تعتبر الفتيات "أجانب" حيث يُنظر إلى الأولاد على أنهم ضمان لاستمرارية النسب واسم العائلة. وللسبب نفسه، تنتشر أيضًا ممارسة حرمان الفتيات من الميراث.

• الهشاشة الفطرية

إن هشاشة وعاطفية الفتيات بسبب طبيعتهن الخلقية تدفعهن إلى الاعتقاد بأنهن لا قيمة لهن ولا فائدة منهن. هذه النظرة المريضة لـ "جنس الأنثى" هي السبب وراء الإساءات اللفظية والجسدية ضد الفتيات.

• المعتقدات والتقاليد الدينية

وأخيرًا، فإن المعتقدات والتقاليد الدينية التي تشكلت في هذا السياق على مر القرون تكمن وراء دونية الفتيات. على سبيل المثال، يقول بعض العامية "من ليس لديه ابن ذكر، سيغضب الآلهة". لدرجة أن الأزواج الذين لا يستطيعون الإنجاب لأسباب طبية يتجنبون بإصرار تبني الفتيات "حتى لا يثيروا سخط الآلهة".

ما قلناه: الجاهلية ليست فترة مضت وانتهت، بل هي عملية اضمحلال وانحلال يمكن تكرارها بشروط معينة.

كان موضوع المقال أحد مظاهر الجاهلية الحديثة في الهند. لكن إذا وجّهنا المرآة التي لدينا إلى أجزاء أخرى من الجغرافيا الإسلامية، فما الذي سنراه هناك؟ بأي عناصر تستمر الجاهلية في نخر جسد المسلم؟ هذه الأسئلة الحيوية تهمنا جميعًا دون استثناء. حيث يصبح إصلاح الأجزاء المعيبة ومحاولة التخلص من علامات الجاهلية واجب ملحّ.

+

خبر عاجل

#title#