2022.. ومضى عام آخر عمرنا - ياسين اكتاي

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

مع مضي آخر يوم من عام 2021 وطليعة اليوم الأول من العام الجديد، يتمنى المرء أن يكون هذا اليوم مطلع خير على بلدنا وشعبنا والعالم والإنسانية بأسرها.

إذا كان يوم رأس السنة وسيلة لإجراء محاسبة ذاتية حول وجودنا في هذا العالم وأفعالنا فيه، وما يمكن أن نفعله وما لا يمكننا فعله، فلا بد أن يكون لهذا اليوم معنى إذن.

الإنسان كائن حي يسير نحو الأمام، وهو المخلوق الوحيد الذي يدرك ويشعر خلال حياته أن الموت قادم نحوه خطوة خطوة. فكل لحظة نعيشها وكل يوم يمر من حياتنا يجعلنا أقرب نحو موتنا المقدر ويجعل عمرنا أقصر. ومع تضاؤل وقتنا في هذا العالم نحتاج إلى أن نشعر بأننا مجرد ضيوف فانين سيرحلوا كما قدموا.

حينما نقول "الموت" فلا نقصد بالطبع نهاية وجودنا، فالموت بالنسبة لمن يؤمن بالآخرة هو ليس النهاية، بل البداية. إنه بداية يوم عظيم يقدم فيه كل أحد حساب ما فعله وما قدمت يداه، وسيرى كل منا بالتأكيد جزاء ما فعله ولو كان ذرة من خير أو ذرة من شر.

لعل أفضل استعداد ليوم الحساب العظيم، هو ما نمر به بالفعل في حياتنا من انشغالنا ببعض الأمور والحوادث بين حين وآخر، ثم تتاح لنا فرصة التقاط بعض أنفاسنا وإجراء محاسبة ذاتية صغيرة ننظر خلالها لما فعلناه وما قد فاتنا. فشهر رمضان والأعياد ويوم الجمعة حتى عيد الميلاد ويوم رأس السنة، جميعها أوقات تمنحنا الفرصة المناسبة لإجراء محاسبة ذاتية، بل تعتبر بحد ذاتها تنبيهًا يحثنا على القيام بالمحاسبة.

من الناس من يدرك هذا التحذير ويشعر به فيقوم بمقتضاه، والبعض الآخر يكون بعيدًا عن ذلك الشعور لا سيما في رأس السنة وأعياد الميلاد، فيجعلها سببًا للانغماس بشكل أكبر في الغفلة والغرور.

وحينما ننطلق من هنا ونشير إلى الموت باعتباره السمة المشتركة الوحيدة بين جميع البشر على الإطلاق، كأساس أخلاقي، فإن تأثيره سيكون مرة أخرى مقتصرًا على من يعرف فقط. وبالطبع هذه المعلومات قديمة قدم تاريخ البشرية، لكنها أكثر المعلومات عرضة للنسيان عند الإنسان.

لقد كان الموت ووتيرته مرتفعة للغاية في العام الماضي كما العام الذي سبقه تمامًا، حيث بات أكثر حضورًا وروتينيًا في حياتنا بسبب تأثير فيروس كورونا. وربما لا يوجد أحد إلا وقد فقد قريبًا أو عزيزًا وصديقًا. على الرغم من أن هناك من حاول عدم الاكتراث بهذا الوباء أو التعامل معه كإنفلونزا عادية انطلاقًا من نظريات المؤامرة، إلا أن هذا الوباء فعل ما لم تفعله الإنفلونزا العادية، وتسلل إلى أهل وأقارب وأصدقاء الجميع وأزهق حياتهم.

وإلى جانب ذلك كان هناك العديد من أسباب الموت الأخرى التي بدت وكأنها في حالة سباق مع كورونا، حتى بدا هذا العام الفائت كموسم حصاد أراوح. لقد ودّعنا الكثيرين من الأسماء البارزة التي قدمت إسهامات واضحة واستثنائية في مجالات العلوم والفكر والفن والسياسة وكان كل واحد منهم نجمًا ضمن عالمه الخاص، فودّعنا محمد أمين سراج، ومحمد علي صابوني، ودوغان كوجيل أوغلو، وسيزاي كاراكوتش، وغيرهم الكثير ممن لا تحضرني أسماؤهم. رحمهم الله جميعًا وجرفع درجاتهم وجعل قبورهم من رياض الجنة.

بالطبع لا يوجد متسع لعرض وسرد الحساب الطويل باعم 2021 سواء على صعيد تركيا أو العالم. لكن لو سألنا ما هو أهم حدث في هذا العام، فلو استثنينا التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لفيروس كورونا، فسأجيب بدون تردد أن أهم ما حدث في هذا العام الفائت هو الهجوم الذي شنته إسرائيل على غزة يوم 10 مايو/أيار بعد أن وضعت "صفقة القرن" وراء ظهرها وانطلقت بدعم من الأنظمة العربية المستسلمة لها، إلا أن الكلمة الأخيرة والعليا كانت لأهل غزة، أما الحدث الثاني فهو انحساب الولايات المتحدة من أفغانستان.

مما لا شك فيه أن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، سبقته استعدادات أولية منذ سنوات. ولا شك أن هذا الانسحاب بحد ذاته كان هزيمة، لأن الولايات المتحدة فشلت في القضاء على الأسباب التي دفعتها للاحتلال من جهة، ولفشل جميع الأهداف التي رسمتها من جهة أخرى. ولا شك كذلك أن تراجع أحدث الآلات الحربية أمام آلات وأدوات بدائية للغاية يشكل نوعًا من التحدي للكليشات المحفوظة في ذهن البشرية حول القوة والنصر والصبر والعزيمة.

إن هزيمة الولايات المتحدة أمام طالبان، وإسرائيل أمام حماس، على الرغم من انعدام التكافؤ في القوى بين الطرفين، وعلى الرغم من الانطباع السائد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل قوتان لا تُقهران، تحتوي على دروس مهمة للغاية لكل عقل رشيد.

والتاريخ يحكي لنا العديد من الأمثلة على ذلك، مثل الطاغية جالوت الذي ظن أنه لا يُقهر وقد كان قوة عظمى بالفعل آنذاك، لكن نهايته كانت عكس تخيل، وبأضعف سلاح كان لدى نبي الله داود. على الرغم من أنه يعلم حجم قوته إلا أن استراتيجة ومهاراة النبي داود في العمل بشكل دقيق، ومن ثم ضرب جالوت في أكثر نقاط ضعفه، كان بمثابة نجاح ونصر استثنائي كسر كل قواعد الحساب والنظريات.

لقدق يل الكثير حول فهم طالبان للإسلام، وعن المعاصرة وما شابه من قضايا وأشياء، ولقد تحدثنا حول جميع ذلك في مقالات سابقة. وذكرنا أن الاعتراف بنجاحها أو التعامل معها على اعتبار أنها الحاكم الفعلي لأفغانستان لا يعني الموافقة على منهجها بشكل مطلق وتام. وليس من الضروري ذلك في الأصل.

عام 2021 كان مهمًا بالنسبة لتركيا ويجب تقييمته من كافة الأصعدة.

الموضوع الأكثر أهمية هو الطريق الذي لن يُعتبر طريقًا جيدًا أو حسنًا. فنحن في صراع مع بعضنا البعض في العديد من القضايا، وههذ هي السمة التي لا مفر منها لطبيعة المجتمع. لكن المشكلة تكمن حينما تتطرق السياسة أو تقترب من الجسد المتكامل للمجتمع والذي من المفترض أن يبقى متماسكًا. لقد أصبح جزءًا من خطابنا السياسي وثقافتنا أن نتخذ من أي قضية وسلية لمهاجمة بعضنا البعض وبث الأحقاء والبغضاء. ونسينا التحدث مع بعضنا البعض، حتى العام الماضي مرّ دون أن يذكّرنا بضرورة التحدث مع بعضنا.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أصبنا بمرض خطير من العنصرية وكراهية الأجانب وكراهية اللاجئين. هذه الأمراض بالذات من أكثر أنواع الطاعون والأمراض فتكًا، فهو لا يقتل المستهَف فحسب، بل يقتل إنسانية الشخص الذي يستهدِف قبل ذلك. شافانا الله من ذلك.

+

خبر عاجل

#title#