تقرير "الكازاخيين" - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

في عام 1759 أعدّ كلّ من الضابط البارز في الجيش الروسي أليكسي إيفانوفيتش تيفكيليف، و"بيوتر ريتشكوف" الذي كان قد عيّن حاكمًا على مدينة أورينبورغ الروسية "نافذة روسيا إلى الشرق"؛ أعدّا تقريرًا مفصلًا عن الوضع العام في منطقة "السهوب الكازاخستانية"، وما يدخل في سياق ذلك من التوازنات الموجودة في المنطقة آنذاك، ثم عرضا التقرير على المسؤولين الروس في وزارة الخارجية.

كان تيفكيليف في السابق مسلمًا واسمه الأسيصلي "كوتلو محمد"، لكنه اعتنق المسيحية فيما بعد، عام 1734، ثم بدأ العمل مع الروس وقدم خدمات كبيرة لهم.

كان تيفكيليف، الذي يدّعي أنه من أصل كازاخستاني وتتاري، يجيد جميع اللغات المستخدمة تقريبًا في جغرافيا تركستان. في حين كان بيوتر ريتشكوف عضوًا محترمًا وفعالًا في أكاديمية العلوم الروسية، وعالمًا جادًا ودؤوبًا. الشيء الذي كان يؤكد أن التقرير الذي أعده الرجلان سيحظى بأهمية ودلالات قيّمة.

بدأ الثنائي تيفكيليف - ريتشكوف تقريرهما في الحديث عن موقع المراعي الكازاخستانية، التي تغطي أكثر من 7500 كيلومتر على طول السهوب.

أشار تقريرهما إلى أن الكازاخيين هم جيران مع التركمان، وتركمان "بحر آرال"، وشعب قرقل باغستان (مجموعة عرقية تركية)، وشعب بخارى، وتركستان، وطشقند، والأويرات (مجموعة من المغول).

كما حكى التقرير أن الحشود الصغيرة والمتوسطة من الكازاخيين كانت تشكل أقوى قوة في المنطقة آنذاك. وأن هذين الحشدين لو اتحدا تحت قيادة قائد واحد قوي، كان بإمكانهما تشكيل جيش قوي قوامه من 50 إلى 60 ألف فارس. لكن بسبب فهمهم التقليدي للاستقلال وكرههم لسلطة الخان الواحد، كانت جيوشهم تتراوح ما بين 10 إلى 20 ألف فارس فقط.

كان أليكسي تيفكيليف وبيوتر ريتشكوف، يعتقدان أنه ليس من الممكن القضاء التام على الكازاخيين بالوسائل العسكرية، على عكس ما يعتقد العديد من القادة في الجيش الروسي. وكانا ينتقدان هؤلاء القادة العسكريين ويصفانهما بالقادة الضعفاء ميدانيًا.

وكانا يعتقدان أن صعوبة المنطقة تجعل من الصعب الوصول إلى الهدف المنشود من خلال العمل العسكري. وذلك لأن الكازاخيين يمكن أن يفروا عبر السهوب ويشنون غارات انتقامية.

واقترح الثنائي في تقريرهما طريقة مختلفة تمامًا؛ لقد قالوا باختصار:

"على الرغم من أن محاولة تغيير العادات الوطنية والتقاليد القديمة عند شعب كامل، يمثل الجانب الأصعب في الأمر، ، لكن الأهم من ذلك هو القدرة على فهم هذا الشعب وماهية عاداته وتقاليده ما دام الأمر يتعلق بتطويع شعب "تابع" جديد، ومن ثم توجيه هذا الشعب بالعدالة والطريق القويم حسبما تقضتيه مصالح الدولة بالطبع. ومن خلال المقارنة مع الشعوب الأخرى، فإنّ الكازاخيين عرضة للتأثير الروسي أكثر من غيرهم. فقد اعتادوا منذ فترة طويلة على التجارة، وتناول الخبز الرقيق، وصنع القش وتخزينه لفصل الشتاء. وإن التجارة على وجه الخصوص هي كل شيء لهم".

ثم يكمل التقرير من خلال الإشارة إلى حكم "الخان" الكازاخيين؛ "نعم يجب تعيين الخان من قبل الإدارة الروسية، لكن يجب تعزيز سلطته كذلك. كما يجب تدريب ودعم بعض المسؤولين المحليين وتأهيلهم لتولي منصب الخان في المستقبل. إن مواجهة الكازاخيين بالوسائل العسكرية أمر غير منطقي، فهم كثّر، وبدلًا من ذلك، علينا إثارة الأعمال العدائية بين الكازاخيين أنفسهم، والسيطرة على الشعوب من خلال تأليب شعوب المنطقة ضد بعضهم البعض".

لقد تمكنت من الحصول على هذه المعلومات الواردة أعلاه، من خلال كتاب "التوسع الروسي في تركستان والسهول الأوراسية - تشكيل الإمبراطورية الاستعمارية (1500-1800)" لصاحبه (مايكل خوداركوفسكي، وترجمة محمد عاكف كوج.

يشير خوداركوفسكي إلى أن تقرير تيفكيليف وبيوتر ريتشكوف لم يؤخذ في عين الاعتبار بشكل كافٍ، وأنه بعد وقت قصير، عادت الأساليب العسكرية القاسية، وبالتالي ضاعت بعض الفرص على الروس.

ليس هناك شك في الحاجة إلى قراءة أكثر تفصيلًا ودقة من أجل فهم جميع جوانب الهجمات الروسية العنيدة والمتواصلة؛ على آسيا والقوقاز والشرق الأوسط منذ عدة قرون، وجميعها مناطق معظم سكانها مسلمون.

كل حدث نشهده اليوم يحمل خلفيات ومراحل وعمليات تمتد لعقود. وهذا لا ينطبق فقط على المناطق الجغرافية المحكومة، ولكن أيضًا على عقل الدولة الحاكمة.

على سبيل المثال، من الصعب أن نتخيل أن الإدارة الحالية لروسيا والرئيس فلاديمير بوتين ذاته لم يكونا على دراية بتقرير تيفكيليف وبيوتر ريتشكوف عن كازاخستان، وقد أُعدّ قبل 263 عامًا. أو أن الإدارة الروسية الحالية لم تستفد من مضمون التقرير الموجّه نحو المنطقة.

أي شخص يتابع بعناية الخطوات التي اتخذها بوتين سيرى أنه لا يحاكي العصور الإمبراطورية القديمة فحسب، بل يحتفظ أيضًا بالإطار النظري الذي أُنتج في ذلك الوقت تمامًا.

لأن الاستمرارية في عقل الدولة، هي واحدة من أكثر السمات المميزة لطموحاتها في الجغرافيا.

+

خبر عاجل

#title#