العمل ثم العمل ثم العمل - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

يقول شلومو دوف جويتين، أحد أكبر مستشرقي القرن العشرين الماضي: "إن تعلم اللغة العربية ودراستها والبحث فيها كما أنه جزء من الصهيونية، فهو جزء من العودة نحو العبرانية والشرق السامي. كما أن العربية تعتبر مصدرًا مهمًا للحفاظ على البنية الأصلية للغة العبرية وإثرائها".

هذه الكلمات كتبها جويتين في مطلع كتابه الذي أعده من أجل تعليم اليهود اللغة العربية، بعد أن استقر في فلسطين عام 1923.

يرى جويتين أن إسرائيل هي دولة شرق أوسطية، الأمر الذي يفرض على الصهاينة أن يتعرفوا على المنطقة بشكل أعمق. ويدعو إلى ضرورة أن يعيش اليهود والعرب معًا، ولقد سعى على الدوام من خلال دراساته العديدة حول الثقافة الإسلامية وتاريخ المسلمين والعرب، على مدار حياته التي امتدت 85 عامًا، إلى التركيز على الهدف ذاته؛ أن يكون الوجود الإسرائيلي في الشرق دائمًا، وأن يندمج اليهود في هذه الجغرافيا.

ولود شلومو دوف جويتين عام 1900 من عائلة يهودية متدينة من أصل مجري، في بورغكونشتات التابعة لمقاطعة بافاريا الألمانية. بعد وفاة والده "إدوارد" كانت الحرب العالمية الأولى قد بدأت، فانتقل شلومو ابن الأربعة أعوام آنذاك مع عائلته إلى فرانكفورت. درس اللغة العربية والإسلام في جامعة فرانكفورت بين عامي 1918 و1923، ودرّس العربية لأطفال بعض العائلات اليهودية هناك.

تخرج جويتين في الجامعة بعد أن أعد أطروحة تحت عنوان: "العبادة في الإسلام". وكما كانت تقتضي العادة أو الصيحة آنذاك بين اليهود، فقد هاجر جويتين هو الآخر إلى فلسطين، واستقر في مدينة حيفا على ساحل البحر المتوسط، فعاش فيها فترة من الزمن ثم توجه إلى القدس وبدأ التدريس هناك في الجامعة العبرية.

أقام جويتين في القدس منذ ذلك الحين حتى عام 1957 حينما انتقل إلى الولايات المتحدة ليستقر فيها، وطيلة مكوثه في القدس عكف على مواصلة دراساته الأكاديمية، وقام بالعديد من المشاريع المهمة خلال ذلك، على سبيل المثال؛ درس تاريخ اليهود اليمنيين، ولهجات اللغة العربية، كما حقّق كتاب "الأنساب" للمؤرخ المسلم الشهير البلاذري، وكتب العديد من الكتب والمقالات حول القوانين الإسلامية. إضافة لذلك فقد كتب كتابًا بعنوان "اليهود والعرب"، حينما كان أستاذًا زائرًا في الولايات المتحدة عام 1953، وكما يحكي جويتين نفسه؛ فقد أعدّ هذا الكتاب خلال فترت الاستراحة بين المحاضرات الجامعية.

أما بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة فقد عكف على تعميق دراساته الأكاديمية، مركّزًا على حياة الجماعات اليهودية لا سيما في دول البحر المتوسط. وقد أعدّ مؤلّفًا من خمسة مجلدات لم يُنشر بعد حتى الآن، تحت عنوان: "مجتمع البحر المتوسط: المجتمعات اليهودية كما صورتها وثائق جنيزة القاهرة".

ومن المثير للاهتمام أن جويتين توفي في اليوم الذي أتمّ فيه المجلد الخامس من هذا الكتاب وأرسله إلى الناشر، يوم 6 فبراير/شباط من عام 1985. ولم يسعفه الزمن والعمر لينجز عملًا تحت عنوان "كتاب الهند" كما كان يخطط، حيث كان يريد خلال هذا الكتاب تسليط الضوء على الدور الذي لعبه اليهود في طريق التجارة بين البحر المتوسط والهند.

على الرغم من أن شلومو دوف جويتين كان صهيونيًا حتى النخاع، وقد درس العالم العربي والإسلامي بعمق، إلا أنه قدّم مساره الأكاديمي على رؤيته السياسية، وعمل وفقًا لهذا الفهم. وعلى الرغم من أنه خدم الصهوينية طيلة حياته، إلا أن أعماله وأبحاثه لقيت استحسانًا في العالم الإسلامي، وترجمت إلى العديد من اللغات بما في ذلك التركية.

سيتذكر قرّائي المتابعون هنا، مقالًا كتبته في هذا العامود يوم الأربعاء 8 فبراير/شباط 2017، تحت عنوان: "لغة ورجل وفكرة وحياة"، تحدثت فيه عن إلعيزر بن يهودا، الذي أحيا العبرية في العصر الحديث وكان رائد لغتها المنطوقة.

ولد بن يهودا في بيلاروسيا عام 1858، واستقر في القدس عام 1881 ليكمل دراسته العبرية، مما جعله مثالًا حيًا على أن الإنسان حينما يكرّس نفسه للمثالية قد يلعب دورًا كبيرًا في التاريخ أحيانًا.

حينما توفي بن يهودا بمرض السل في القدس عام 1922، كانت إسرائيل لا تزال بعد غير قائمة ولا موجودة، قبل 26 عامًا من إقامتها. لكنه رحل وقد أعدّ لغة الدولة اليهودية المستقبلية التي آمن بها.

بعد عام واحد على رحيل إليعزر بن يهودا، رأينا كيف برز شلومو دوف جويتين ليواصل ما بدأه الأول، ومن داخل أرض فلسطين هذه المرة، فأكمل جويتين من حيث انتهى يهودا.

إن العبرية التي يتحدث بها اليوم أكثر من 20 مليون إنسان حول العالم، والدراسات الاستشراقية المكثفة في إسرائيل، تدينان بالشكر لكل من إليعزر بن يهودا وشولوف دوف جويتين، من خلال إضفاء الطابع المؤسيي على اللغة ذاتها ونقلها للأجيال القادمة.

أما الدرس الذي يمكن أن نتعلمه نحن من هذه الحكايات، فهو العمل ثم العمل ثم العمل، والتركيز على مهام وواجبات اليوم، وترك مواد سليمة ونافعة للأجيال القادمة، دون أنت نتحمس للوصول إلى نتائج سريعة وجاهزة.

+

خبر عاجل

#title#