"تحيا باكستان!" - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

كان الرئيس الباكستاني، محمد علي جناح، يستضيف في 4 مارس/آذار 1948، حفل استقبال مهمًّا في مكتبه بالعاصمة كراتشي (العاصمة القديمة لجمهورية باكستان الإسلامية حتى عام 1959م). وبتقديم أول سفير تركي في باكستان الشاعر "يحيى كمال بياتلي" أوراق اعتماده لجناح، تم إرساء أسس العلاقات العميقة الجذور والمتعددة الأبعاد بين البلدين. وقد عُين يحيى كمال سفيرًا في كراتشي بالمرسوم الصادر في 8 يناير/كانون الثاني 1948، وبدأ بمهامه في وقت يمكن اعتباره سريعًا للغاية في ظل ظروف تلك الفترة. ومع ذلك، لم يتمكن الشاعر الشهير، من الخدمة في باكستان لفترة طويلة؛ بسبب تدهور صحته نتيجة لتقدمه في السن، وفي مارس/آذار 1949 كان عليه أن يطلب إحالته للتقاعد بسبب بلوغه سن التقاعد.

وفي 9 فبراير/شباط 1948، ذهب يحيى كمال بياتلي، الذي غادر أنقرة متوجهاً إلى باكستان، فوصل أولا إلى مدينة البصرة العراقية بالقطار، ومن هناك استقل العبارة متوجهًا إلى كراتشي. وصل يحيى كمال، إلى باكستان في 21 فبراير/شباط، وأمضى الوقت المتبقي له قبل موعده مع الرئيس الباكستاني جناح، في الاجتماع مع المسؤولين الباكستانيين والتعرف إليهم. ولم يستطع محاوروه إخفاء دهشتهم وإعجابهم الشديدين بالمعرفة الواسعة للشاعر التركي "الاسكوبي" المولد في مجالي الأدب والتاريخ. وسيستمتع محمد علي جناح أيضًا بالحديث مع يحيى كمال، الذي وصلت شهرته إليه بالفعل، وسيتجاوز التقارب بين الجانبين حدود الاتفاقيات الدبلوماسية.

وقد تعمقت العلاقات التركية الباكستانية، التي بدأت كـ "تحية أنيقة من اسكوبية إلى كراتشي"، تدريجيًا في المراحل التالية؛ حيث دعم الطرفان بعضهما البعض في القضايا الاستراتيجية. وقد تعمقت علاقات الصداقة المثيرة للاهتمام بين البلدين، والتي تم تسجيلها من خلال الاتفاقيات الموقعة في العديد من المجالات، لاسيما في مجالات التجارة، والدفاع، والأمن، خلال حرب البوسنة (1992-1995). حيث توجهت تانسو تشيلر، وبينظير بوتو، رئيستا وزراء تركيا وباكستان آنذاك، إلى سراييفو في 2 فبراير/شباط 1994 للفت انتباه العالم إلى الإبادة الجماعية التي تُرتكب بحق البوشناق المسلمين في قلب أوروبا. واحتلت اتصالات تشيلر، وبوتو، التي رحب بها علي عزت بيغوفيتش ) أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك المستقلة)، عناوين الصحف العالمية، مصحوبة بصور السترات الفولاذية لرئيستي الوزراء. وعلى الرغم من أن الزيارة لم تغير مسار الحرب، إلا أنها كانت ذات مغزى كبير من حيث لقاء تركيا وباكستان على جدول الأعمال المشترك للبوسنة.

وفي سياق العلاقات التركية الباكستانية، من الأهمية بمكان إدراك النقطة التالية: إن التقارب بين البلدين لم يبق فقط على مستوى رؤساء الدول والحكومات، بل امتد ليشمل الشعوب أيضًا. ولم يكن هناك دولتان قريبتان جدًا من بعضهما البعض - على مستوى الدولة والشعب- مثل تركيا وباكستان؛ إذ لم يكن ثمة تقارب بين دولتين في العالم الإسلامي دون أن يكون بينهما تاريخ مشترك أو عرق مشترك. وعندما يقال "تحيا باكستان!"، ربما يكون الأتراك هم الأكثر حماسة بعد الباكستانيين. نفس المشاعر موجودة أيضًا لدى الباكستانين، وربما أكثر.

ومن الممكن تجسيد القضية بمثال: لدى باكستان أيضًا علاقات إستراتيجية وطيدة مع المملكة العربية السعودية؛ حيث يزور رؤساء الوزراء الباكستانيون العاصمة السعودية الرياض بمجرد توليهم مناصبهم كأول زيارة خارجية لهم، تمامًا كما يقوم مسؤولو الدولة التركية بزياراتهم الخارجية الأولى إلى قبرص وأذربيجان - كتقليد متبع- في بلادنا. لكن من المستحيل الحديث هنا عن "حب عميق وصادق" بين الشعب الباكستاني والشعب السعودي؛ حيث تحرص المملكة العربية السعودية، التي تعد مصدر رزق لمئات الآلاف من الباكستانيين، بعناية وإصرار على وضع مسافة في العلاقة بينها وبين باكستان. حتى أن هناك مظاهر حزينة لهذه "المسافة".

ومن الملفت للنظر أيضًا في العلاقات التركية الباكستانية، أن البلدين لا يتأثران بأي حال من الأحوال بالتغيرات السياسية الداخلية الخاصة بهما. ويتم الحفاظ على مستوى العلاقات بنفس الجدية والعمق، بغض النظر عمن يتولى رئاسة الحكومة في أنقرة أو إسلام أباد. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن التقارب بين تركيا وباكستان قد بلغ مرحلة من النضج نادرًا ما يظهر لها مثيلًا على الساحة الدولية.

وعند تقييم الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس الوزراء الباكستاني الجديد شهباز شريف إلى تركيا، والتي بدأت الثلاثاء، بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن أخذ النقاط المذكورة أعلاه بعين الاعتبار سيسهل أيضًا فهم المرحلة.

+

خبر عاجل

#title#