مذكّرات "مالكوم إكس" في الحج - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

لقد أكملت للتو زيارتي الدينية "الحج"، هنا في "مكّة المكرّمة"، المدينة الأكثر قدسيّة في العالم، والمحجوبة عن أعين غير المسلمين، ومما لا شكّ فيه أنّ طقوس الحج تعتبر من أكثر الأحداث أهمية في حياة أي مسلم، إذ يتجاوز عدد القادمين إلى "السعودية" في الوقت الحالي، نحو 226 ألف شخص، كما تعتبر "تركيا" من بين أكثر الدول التي يأتي منها الزوار بوصول 50 ألف شخص عبر 600 ألف حافلة، مما ينفي الدعاية الغربية التي تدعي بأنً "تركيا" أدارت ظهرها للإسلام.

[…]

لا أتوقع أن يصل عدد الأمريكيين الذين زاروا "مكّة" حتى تاريخ اليوم، العشرة أشخاص فقط، ولعلّي اعتبر الوحيد، من بين أصحاب البشرة السمراء الذين ولدوا في "أمريكا"، وقُدّر لهم القيام بمناسك الحج هذه، بالشكل الفعلي.

وليس قولي هذا من باب التباهي بقدر ما هي محاولة لإظهار هذه النعمة وما ظفرت به من مكسبٍ لا يقدّر بثمن، إلى جانب محاولتي لتقديم تصوّر كامل يمكن أن يساعدك في تكوين فكرة أوضح وأشمل، وسأترك لفطنتك أن تقيّم ما أشاركه معك.

لا يمكن أن أصف مدى خصوصية التجربة التي خضتها في زيارتي إلى أكثر المدن قداسة، فهي تجربةٌ تخطّت أقصى ما كنت أحلم به، وقد استُقبلت بحفاوة ما كنت لأتوقعها قط.

بعد مدّة وجيزة من وصولي إلى "جدّة" استقبلني الأمير "محمد الفيصل" وعلمت منه أنّي أصبحت ضيف "السعودية" بقرارٍ صادر عن والده المشهور الملك "فيصل".

ولعلّ وصف الأحداث التي تلتْ ذلك لا يمكن أن يتسع لها عدد محدد من الكتب، وإنما، بفضل الميزات التي منحني إياها سعادة الملك "فيصل"، سيارة خاصة مع سائق ودليل سياحي خاص بالأماكن الدينية، استطعتُ التجوال في "جدّة" و"مكّة" و"المدينة المنوّرة"، والإقامة في فنادقها.

لم أحظَ إطلاقاً بمثل هذا القدر من القيمة، كما لم أشعر، طوال حياتي، بمثل هذا التواضع مقابل كل الاحترام والتقدير الذي أغدقوه عليّ، فمن ذا الذي يستطيع تخيّل أن تهطل كلّ هذه النعم على "زنجي أمريكي" مثلي؟

وإنما، الشخص الذي يقبل الإسلام، في العالم الإسلامي، يترك وراءه لون بشرته إن كان أبيض أو أسودا، فالإسلام يقبل الإنسان لكونه إنساناً فقط، ولأن الناس هنا يؤمنون بعقيدة التوحيد، ويؤمنون أنّ جميع الأمم، في حقيقة الأمر، ما هي سوى أمّة واحدة، وأنّنا جميعاً، مع إخوتنا وأخواتنا، نشكّل "عائلة إنسانية".

لم أشهد طوال عمري ما شهدته هنا في "السعودية" من ودّ وإكرام للضيف وأخوّة صادقة، والحقيقة الراسخة، هي أنّ ما رأيته واختبرته خلال هذه الزيارة المقدسة، دفعني إلى إعادة ترتيب العديد من أنماط التفكير، و أجبرني على وضع كل قناعاتي السابقة جانباً.

كما أنّي لم أعانِ من صعوبة كبيرة خلال مرحلة التأقلم مع هذه الحقيقة، لأني حاولت دائماً إبقاء ذهني منفتحاً بالرغم من التزامي الصادق بكل ما أؤمن به، فإظهار المرونة في التقدم، حالة لا بدّ منها لكل من يتمتع بالذكاء، في الوقت الذي يعتبر فيه الذهن المنفتح أمراً ضرورياً يعكس هذه المرونة، فالحقيقة لا يمكن أن تكون لها نهاية.

بهذه التعابير وصف "مالكوم إكس" مشاعره في الرسالة التي أرسلها بتاريخ 25 نيسان/أبريل 1964 إلى لـ "غلوريا أونيز" إحدى صديقاته في "الولايات المتحدة الأمريكية"، بعد أدائه لفريضة الحج الشهيرة تلك، وتحوله إلى شخص جديدٍ كلّياً، ومسلم راسخ الإيمان والقناعة، كما أرفق مع الرسالة بطاقة بريدية سمحت لنا بتصوّر الشكل العام للكعبة و"المدينة المنوّرة" خلال تلك السنوات، كذلك أخبر "مالكوم" صديقته "غلوريا"، في بطاقة بريدية أخرى، أنه سيواصل في جولته الإفريقية بعد الانتهاء من فريضة الحج، كما استطعنا معرفة معلومات عن رحلته إلى "لبنان" و"مصر" و اللقاءات التي جمعته مع عدد من الأصدقاء هناك، وذلك بفضل رسائله ودفتر يومياته والمذكرات التي تركها.

لعلّ "مالكوم إكس" يعتبر أحد أهم الأمثلة التي يمكن الاستعانة بها لطرح الدور البارز الذي يمثّله الحج في التغيير وإعادة بناء الإنسان من جديد، فـ"مالكوم" الذي وطأت قدماه أراضي "مكّة المكرمة"، وهو مقتنع بتفوّق العرق الأسود…. غادرها مؤمناً موحّداً، مدركًا تمامًا رسالة الإسلام العالمية، والتي تتخطى جميع أشكال العنصرية والتمييز، وهو بذلك لم يكتفِ بتحقيق مغامرته الخاصة فحسب، بل استطاع أن يقدّم لكل من سيأتي بعده، إحدى أبرز الإجابات على سؤال "ما هو الحج في الحقيقة؟".

اقتبستُ النص المطوّل أعلاه، من كتاب "يوميات عام 1964 الطريق إلى الحج"، "مطبوعات إيكين 2019"، والذي كتب فيه "مالكوم إكس" بعض الملاحظات المتعلقة برحلته الطويلة في العالم الإسلامي، وإنّي لأوصي بشدة، جميع القراء، ممن استطاع أداء فريضة الحج خلال هذه الأيام ومن لم يستطع ذلك… أنصحكم جميعاً بقراءة هذا الكتاب للتعرف إلى مشاعر الحماس تلك .

وإن قدّر لنا، سأخصص مقال السبت المقبل أيضاً لسرد انطباعات أحد الذين اعتنقوا الإسلام وقاموا بأداء فريضة الحج، الدبلوماسي الألماني "مراد ويلفيرد هوفمان"، لنعرض تلك التفاصيل المثيرة للاهتمام التي التقطتها العيون التي ترقبنا من الخارج.

+

خبر عاجل

#title#