لماذا لا نملك شيئاً في القدس؟ - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

تقع الزاوية الهندية في مدينة القدس داخل السور قرب باب الساهرة، وهو أحد المداخل الشمالية لأسوار مدينة القدس، كما أنه بداية الطريق الموصل إلى الحي الإسلامي، إذا أردتم الوصول إلى الزاوية الهندية فعليكم أن تعبروا السور ثم تنعطفوا يساراً وتكملوا طريقكم مروراً بالمحلات التجارية إلى أن تجدوا أنفسكم في قلب القدس القديمة ذات الشوارع الضيقة المتداخلة، ومن هناك عليكم صعود الدرج الواقع يمين باب الساهرة حتى تصلوا إلى باب حديدي مطلي باللون الأخضر، هذا الباب هو مدخل الزاوية الهندية.

في كل مرة أزور فيها القدس كنت أمر بالزاوية الهندية وأتساءل في نفسي: ماذا يوجد في الداخل؟ وقد زاد من فضولي أيضاً وجود العلم الهندي المُلصق على جانبي المدخل الرئيسي والنقش الإنجليزي-العربي-الهندي "بدعم من وزارة الشؤون الخارجية الهندية - نيودلهي".

وأخيرًا، في يوم السبت الماضي سنحت لي الفرصة رؤية هذا المكان والتعرف إلى التاريخ المخفي المدون على الجدران، وذلك بفضل دعوة عشاء رائعة نظمها أصدقاؤنا الذين يعيشون في القدس في الزاوية الهندية.

كيف تأسست الزاوية الهندية؟

في النصف الأول من القرن الثالث عشر قدم العالم الصوفي الهندي بابا فريد شكركنج الجشتي إلى مدينة القدس، واعتكف في غرفة حجرية تحت الأرض بجوار مسجد، قرب باب الساهرة. ومنذ ذلك الحين أصبحت غرفته مزارا للحجيج الهنود في طريق ذهابهم أو عودتهم من أداء فريضة الحج, وأطلق عليها الزاوية الهندية أو الفريدية نسبة لمؤسسها الصوفي بابا فريد، وقد قام الهنود فيما بعد بتوسعة المكان حتى أصبح مجمعاً ضخماً.

وفي أواخر عصر الدولة العثمانية خلت الزاوية من المشايخ المسؤولين عن رعايتها وتعرضت للإهمال حتى عام 1924 حيث أُعيد إحياؤها مجدداً بجهود الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى آنذاك.

أرسل الحاج أمين وفداً إلى مسلمي الهند ومعهم رسالة يطلب فيها من الحكومة الهندية إرسال شخص يتولى رعاية الزاوية وإدارة شؤونها. فوقع الاختيار على الشيخ ناظر حسن الأنصاري عام 1927 ليتولى رعاية الزاوية، وما إن وصل الشيخ ناظر إلى القدس حتى شمر عن سواعده وبدأ على الفور في إعادة إحياء الزاوية، وفي العام التالي تزوج من سيدة مقدسية، وتولّى إدارة شؤون الزاوية حتى عام 1952 ، فتسلم مكانه ابنه الأكبر محمد منير بك بعد هذا التاريخ.

وفي عام 1948 خلال الحرب العربية الإسرائيلية تعرضت الزاوية لأضرار جسيمة، وفي عام 1967 ومع احتلال إسرائيل القدس سقطت 25 قذيفة على الزاوية ودُمّر قسم كبير منها، لكن أبنيتها ظلت صامدة ولم تنهار، وإثر ذلك القصف استشهدت والدة محمد منير الأنصاري وشقيقته وابن أخيه البالغ من العمر عامين تحت الأنقاض، بينما أصيب محمد منير بحروق في وجهه ويديه، ومنذ ذلك الحين بقيت الزاوية مدمرة ومهجورةً حتى تم إعمارها لاحقاً عام 1991 بتدخل من الحكومة الهندية.

حاليا تشغل عيادة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين )الأونروا) جزءًا من الزاوية، كما أن الزاوية الآن تفتح أبوابها للسياح الهنود وتوفر لبعضهم المبيت، ويستقبل زائرها صحن واسع تحيط به العديد من الأشجار المثمرة، وتتوزع حوله غرف لمبيت الزوار ومطبخ، بالإضافة إلى مسجد الزاوية التاريخي وغرفة الصوفي بابا فريد شكركنج ـ الذي يعتقد أنه اعتكف فيها أربعين يوماًـ ، ومكتبة ومعرض للصور وتعد المكتبة والمعرض كنزاً ثميناً لما يحتويانه من الصور التاريخية والحديثة لشخصيات فلسطينية وهندية بارزة مرّت على الزاوية، ولا تزال هناك وثائق مهمة في الغرفة المتواضعة تكشف عن روابط متينة بين الهنود المسلمين والقدس بحاجة إلى كشف ودراسة.

أثناء رحلتي إلى القدس وعندما كنت في الزاوية الهندية كان هناك سؤال يدور في ذهني: لماذا لا تمتلك تركيا أرضاً أو بناءً في القدس؟ لماذا ليس لها شيء خاص بها هناك؟

قد تستغربون من السؤال، لكني أقول: نعم، في القدس التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية لمدة 401 عامًا، اليوم لا يوجد فيها أثر واحد ينتمي إلى الجمهورية التركية، دائمًا ما يتم تأجير المباني التي تقيم فيها مؤسساتنا التي تمثل دولتنا هناك، هذا غير مقبول، لكننا مع الأسف نعيش هذا الواقع المرير في القدس.

إنني أناشد المسؤولين وأصحاب السلطة : دعونا من كل ما فات علينا ألا نضيع المزيد من الوقت، يجب أن نجد حلاً لهذه المسألة في أقرب وقت ممكن، فلا يمكن أن يكون لنا كلمة في الميدان وأن نكون أصحاب رأي ما دمنا مستأجرين

في القدس.

+

خبر عاجل

#title#