أزمة البوليساريو - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

استضاف الرئيس التونسي، قيس سعيد، زعيم "جبهة البوليساريو" إبراهيم غالي والوفد المرافق له، بمراسم استقبال رسمية، ما أثار غضبًا كبيرًا في المملكة المغربية. وقد وصفت الإدارة المغربية، التي استدعت، الجمعة الماضية، سفيرها لدى تونس للتشاور، موقف تونس بـ "العدائي" و"الاستفزاز غير الضروري".

من جانبها، استدعت الخارجية التونسية، السبت الماضي، سفيرها لدى الرباط للتشاور، بعد خطوة مغربية مماثلة، ووصفت موقف المغرب بأنه "مفاجأة".

وفي الواقع، عندما نتذكر مسار قضية الصحراء الغربية، يُفهم أن موقف المغرب تجاه القضية ليس "مفاجأة".

وقد تأسست جبهة البوليساريو، التي اشتق اسمها من اختصار عبارة "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب"، في 10 مايو/أيار عام 1973 من قِبل مجموعة من طلاب الجامعة. وقد اتخذت الجبهة من موريتانيا مركزًا لها، وكان هدفها هو استقلال منطقة الصحراء الغربية، التي كانت تحت الاحتلال الإسباني آنذاك.

وبعد انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية في عام 1975، تم تقاسم المنطقة بين المغرب وموريتانيا. وبناءً عليه، أعلنت جبهة البوليساريو الحرب على البلدين. وقد أجبرت الجبهة، التي تدعمها الجزائر بالسلاح والمعلومات الاستخبارتية، موريتانيا على توقيع اتفاق سلام في عام 1979.

من ناحية أخرى، ضم المغرب المناطق التي انسحبت منها موريتانيا، وبدأ يطالب بكامل حقه في الصحراء الغربية. وقد وقعت سلسلة من الاشتباكات المدمرة بين الجيش المغربي وميليشيا جبهة البوليساريو، إلى أن تم توقيع هدنة وقف إطلاق النار بين الطرفين بمبادرة من الأمم المتحدة في عام 1991.

ويقع العبء الأكبر من هذه العملية برمتها - كما هو الحال دائمًا في الأزمات المماثلة - على عاتق الشعب. وفي مثلث المغرب والجزائر وموريتانيا، يكافح عشرات الآلاف من المدنيين من أجل البقاء في ظل ظروف صعبة في مخيمات اللاجئين البدائية.

وتأتي قضية الصحراء الغربية على رأس أجندة السياسة الخارجية للمملكة المغربية. فمن ناحية، تشهد إدارة الرباط توترًا مع الجزائر التي لا تزال مستمرة في مساعدتها النشطة لجبهة البوليساريو، ومن ناحية أخرى، تقوم بمحاولات دبلوماسية لكسب دعم الدول الغربية. وقد تخلت الإدارة الأمريكية، في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، تمامًا عن مسارها التقليدي الذي واصلته حتى ذلك الحين، ودعمت أطروحات المملكة المغربية، واعترفت بالصحراء الغربية كـ "أرض مغربية".

وفي المقابل، انضم المغرب إلى قافلة الدول العربية الموقعة على معاهدة سلام مع إسرائيل. وقد أدى تدخل العامل الإسرائيلي إلى دفع العلاقات المغربية-الجزائرية إلى طريق مسدود.

وثمة أطروحة أخرى للإدارة المغربية مفادها أن الجماعات المسلحة التابعة لإيران وحزب الله توفر التدريب في معسكرات البوليساريو في الصحراء الغربية. وهذا الادعاء، الذي أعلنته وزارة الخارجية المغربية رسميًا للجمهور، يُظهر أن أزمة البوليساريو قد تحولت إلى دوامة سياسية تبتلع حتى إيران الواقعة في أقصى الجغرافيا.

وفي اليوم الذي استضاف فيه الرئيس التونسي، قيس سعيد، وفد جبهة البوليساريو، كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في زيارة رسمية إلى الجزائر. وكانت هذه المصادفة الشيقة نقطة أخرى أغضبت المغرب.

وفي حين أن كل التوترات في المنطقة المغاربية تصب في مصلحة فرنسا التي تحاول بدورها منع تشكيل جبهة مشتركة ضدها، فإن وقوف الجزائر وتونس في نفس الجانب في قضية البوليساريو، يُعد سيناريو غير مرغوب فيه بالنسبة للرباط .

ومن المثير للتفكير أيضًا أن تونس، التي حافظت على حيادها طوال عقود الأزمة بين الجزائر والمغرب، والتي يمكنها التحدث إلى كلا الجانبين، تتحول الآن فجأة إلى مسار آخر. وقد اختار الرئيس قيس سعيد، الذي أقال الحكومة في يوليو/تموز العام الماضي، وحل البرلمان، وجمع كل السلطات في شخصه، معارضة جميع الشرئح في البلاد.

والآن يبدو أنه يحاول الحصول على موقع بين البلدين القويين في شمال إفريقيا. ويمكن الاعتقاد أن الدافع الرئيسي لسعيد، الذي يتبنى قومية عربية صارمة، هو معاقبة المغرب على توقيعه اتفاق السلام مع إسرائيل. وفي ذلك الوقت، يصعب تفسير ارتباطه العميق بالإمارات العربية المتحدة، أقوى داعم لحكمه؛ لأن الإمارات العربية المتحدة هي من بدأت التوجه نحو إرساء السلام مع إسرائيل، تلتها البحرين والسودان والمغرب.

وقبل عام واحد بالضبط، وتحديدًا في 28 أغسطس/آب عام 2021، كان عنوان مقالي المنشور في هذا العمود: "الأزمة المشهودة في المغرب العربي".

يبدو أن أزمات المغرب العربي لن تنتهي وستكون موضع تحليل ونقاش دائمين. وستكون فرنسا على الهامش تراقب الموقف عن كثب.

+

خبر عاجل

#title#