في شوارع خيوة... - طه كلينتش

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

تجولت في مدينة خيوة، يوم الأحد الماضي صباحًا، بعد الصلاة مباشرة، كانت الشوارع فارغة، هذه زيارتي الرابعة لـ"خيوة" لذلك فأنا أعرف كل شبر فيها جيدًا، خيوة واحدة من أكثر المدن التاريخية -إن لم تكن الأولى- التي تستحق بجدارة أن يطلق عليها اسم "متحف في الهواء الطلق"، حافظت أكثر الأماكن فيها على مظهرها كما هي منذ قرون عديدة، أما الأماكن التي احتاجت إلى ترميم فقد رُممت ببراعة كبيرة بحيث لم تفقد المدينة أصالتها أبدًا. عندما تتخطى أسوار المدينة تشعر وكأنك أصبحت في عالم آخر.

تقع مدينة خيوة في ولاية خوارزم غرب أوزبكستان، تتمتع المدينة بماض عريق جدًا إذ تقول المصادر المحلية إن من أسسها هو سام ابن سيدنا نوح، (بالنظر إلى الروايات القائلة بأن الأتراك ينحدرون من نسل يافث فربما من الأصح أن ننسب هذه الحكاية إليه، فمن المعروف أن سام هو جد العرب والعبرانيين.) يقال في سبب تسمية المدينة بهذا الاسم أن سام اكتشف بئرًا أعجبه ماؤه كثيرًا فقال "هي وا" (ما أجمله). من المعروف أن مثل هذه الحكايات شائع جدًا في منطقة الأناضول. فمن الراوايات حول تسمية مدينة قونية أيضًا أن اثنان من الأولياء "من أهل طي الأرض" عندما وصلا إلى هذه المنطقة أشارا إليها قائلين "كون يا" أي اهبط فاشتق الاسم من هذه الكلمة، مثل هذه الأساطير تضيف متعة للتاريخ.

تعد مدينة خيوة إحدى محطات طريق الحرير المهمة في آسيا الوسطى، كما كانت تحتوي على أحد أكبر أسواق العبيد في العالم، ظلت المدينة تابعة لإمارة خيوة من عام 1512 حتى عام 1920.

وفي عام 1873 استولت روسيا على المنطقة تحت اسم "الحماية" ثم ضمتها إليها بالكامل في عام 1920 ولم تمس الآثار التاريخية للمدينة أبدًا، خلال فترة الاتحاد السوفيتي أُوقف نشاط العديد من المدارس الدينية والمساجد داخل أسوار المدينة المعروفة باسم "قلعة إيجان" واستخدم بعضها لأغراض أخرى فمثلًا تحولت المدرسة الواقعة شمال مسجد الجمعة التاريخي إلى "متحف إلحاد".

المدينة محاطة بأسوار بطول 2.5 كيلومترًا ويبلغ ارتفاعها 10 أمتار ولها أربع بوابات: من الغرب أتا دروازه ومن الشرق بالفان دروازه ومن الشمال بهتشة دروازه، وتاش دروازه من الجنوب، صحيح أن كل شبر من خيوة مليء بالآثار التاريخية لكن لرؤية ما يستحق أن يطلق عليه "آثار" يجب البدء من باب أتا دروازه:

البناء الضخم المكسو بالبلاط الأخضر والفيروزي المزخرف الذي أمامنا هو كالتا مينور (المنارة القصيرة). بدأ بناؤها بأمر من محمد أمين خان عام 1852، كان الهدف أن يصل طولها 70 مترًا لكن بمقتل محمد أمين خان بعد ثلاث سنوات توقف العمل عليها ليبلغ ارتفاعها 29 مترًا فقط. يقول السكان المحليون: "لو تم بناؤها لكان يمكن رؤيتها من بخارى!" هذا مستحيل طبعًا فالمسافة بين بخارى وخيوة 390 كيلومترًا. لكن كما سبق وقلت لولا الأساطير فلن تكون للتاريخ متعة.

بعد السير بضع دقائق مروراً بالمدارس والمساجد وقصر كُنها (القصر القديم) نصل إلى مدرسة بهلوان محمود، يُعد بهلوان محمود (1247-1326) بمثابة البطل القومي لخيوة، كان عالماً جمع بين البراعة في المصارعة والعلم والحكمة. واستطاع إطلاق سراح آلاف السجناء المسلمين من خلال تحدٍ فاز به في الهند. بهلوان محمود شخصية محترمة جدًا في المنطقة لدرجة أن حكام خيوة كانت تتنافس في أن تُدفن بالقرب من قبره.

محطتنا التالية هي المدرسة والمنارة الشهيرة التي شيدها الشيخ إسلام بين عامي 1908-1910، كان الشيخ إسلام حما إسفنديار خان حاكم خيوة ووزيره الأول. يبلغ ارتفاع المنارة 44 متراً وتتكون من 118 درجة، إلى جانبها يوجد مسجد الجمعة الذي يبلغ ارتفاع مئذنته 33 متراً، تشكل المنارة والمئذنة بجانبها أهم وأجمل معالم مدينة خيوة إذ يمكن رؤية المنارة في كل الصور الملتقطة للمدينة اليوم.

نتيجة لعمليات الترميم والتحديث التي تشهدها أوزبكستان في السنوات الأخيرة فقد صار من الممكن أداء الصلاة في بعض أقسام مسجد الجمعة، بُني المسجد في القرن العاشر على 213 عمودًا خشبيًا، مسجد الجمعة من أكثر الأماكن التي أثرت بي في خيوة، فأعمدته تعطي إحساسًا بالخلود وهي تحكي قصصها وماضيها، كما يذكرني أيضًا بمسجد آخر على بعد آلاف الكيلومترات: المسجد الكبير في قرطبة.

في المقدمة وصفت خيوة بأنها "متحف في الهواء الطلق" لكن عندما أعدت قراءة ما كتبته وجدت أن دلالة كلمة "متحف" لا تكفي لوصف المدينة التي يتنفس التاريخ فيها.

+

خبر عاجل

#title#