الجسر الذهبي الذي قد ينقذ ترامب

08:0912/05/2026, الثلاثاء
تحديث: 1/06/2026, الإثنين
عبدالله مراد أوغلو

أشار الاستراتيجي العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، فإن لكل عصر نمطه الخاص من الحروب، وظروفه المقيِّدة الخاصة، وأحكامه المسبقة الخاصة أيضًا. وتُظهر الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران مدى دقة هذه الملاحظة. ولا يمكن تقييم هذه الحرب فقط من زاوية كونها «حربًا غير متماثلة». فبفعل تداعياتها، تجاوزت آثارها حدود ميدان القتال. ويبرز ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة كعامل يقيّد قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة الحرب، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني. كما

أشار الاستراتيجي العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، فإن لكل عصر نمطه الخاص من الحروب، وظروفه المقيِّدة الخاصة، وأحكامه المسبقة الخاصة أيضًا. وتُظهر الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران مدى دقة هذه الملاحظة.

ولا يمكن تقييم هذه الحرب فقط من زاوية كونها «حربًا غير متماثلة». فبفعل تداعياتها، تجاوزت آثارها حدود ميدان القتال. ويبرز ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة كعامل يقيّد قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة الحرب، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني. كما أن إغلاق مضيق هرمز ترك آثارًا لا يمكن تجاهلها على المنتجين والمستهلكين. ولا شك أن ترامب لم يكن يتوقع نتيجة من هذا النوع تضع الولايات المتحدة في مأزق استراتيجي.


لقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية. واستمرار إغلاقه يعني تضاعف التكاليف بشكل متسارع. فالحرب التي أطلقها ترامب، بتحريض من إسرائيل، تحولت إلى قضية عالمية. ولم تكن إيران هي من جلب الحرب إلى مضيق هرمز، بل الولايات المتحدة.


إسرائيل، التي دفعت ترامب إلى الحرب مع إيران، تحاول اليوم إبقاءه داخل هذه الحرب. وترامب بدوره يطلق بين الحين والآخر تصريحات تعترف ضمنيًا بأنه دخل الحرب من أجل إسرائيل. ففي تصريح أدلى به يوم الأحد، انتقد ترامب الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع إيران عام 2015، قائلًا إنه «منح إيران فرصة جديدة عظيمة وقوية جدًا للحياة، متجاهلًا إسرائيل وجميع الحلفاء الآخرين». وعلى ترامب أن يقرر ما إذا كان رئيسًا للأمريكيين أم للإسرائيليين؛ فلا يمكنه أن يكون رئيسًا للطرفين في الوقت نفسه.


ويقول الفيلسوف والاستراتيجي الصيني سون تزو في كتابه «فن الحرب»: «عندما تحاصر جيشًا، اترك لعدوك منفذًا للفرار». أما القائد العسكري الشهير تساو تساو فقد علّق على هذه العبارة بقوله: «تنص قاعدة قديمة لسائقي العربات الحربية على أن تُحاصر العدو من ثلاث جهات، وتترك له الجهة الرابعة طريقًا للنجاة». ويصف الاستراتيجيون العسكريون هذا المنفذ أو المخرج بـ«الجسر الذهبي». فالعدو الذي يرى أمامه طريقًا للخروج من الحرب لن يكون متشبثًا بمواصلة القتال. ومضيق هرمز هو «الجسر الذهبي» في هذه الحرب.


ويبدو أن ترامب، الذي يتحرك وفق افتراض «النصر الحاسم ذي المحصلة الصفرية»، قد وقع في مصيدة بعد إغلاق مضيق هرمز. فالدخول إلى المصيدة سهل، أما الخروج منها فصعب. وقد يبدو متناقضًا أن يكون مضيق هرمز في الوقت نفسه «مصيدة» لترامب و«جسرًا ذهبيًا» للخروج من الأزمة. لكن إغلاق المضيق حوّله إلى فخ استراتيجي نتيجة انحراف أهداف ترامب وإسرائيل المعلنة قبل الحرب عن مسارها. أما التنازلات الأخرى التي كانت الولايات المتحدة تنتظرها من إيران فقد تراجعت إلى الظل. واليوم، لم يعد أحد يتحدث إلا عن هرمز.


وقد يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى تحول الآثار الجانبية إلى آثار رئيسية أكثر إيلامًا. فترامب بات محاصرًا ومقيّدًا بالتداعيات التي بدأت تؤثر مباشرة على الأمريكيين. ومن المرجح أن تدفعه هذه الضغوط إلى إبرام اتفاق يحفظ ماء الوجه مع إيران.


إن كبار المفكرين العسكريين لا يحبذون الحروب، كما أنهم لا ينظرون إليها باعتبارها «لعبة محصلتها صفر». ولذلك ينبغي لترامب ألا يواصل إدارة الحرب بهذه العقلية التصعيدية. فكل خطوة تصعيدية ستقود، وفق تأثير الدومينو، إلى تصعيد جديد، ما يجعل الحرب أكثر تعقيدًا واستعصاءً على الحل.


وانطلاقًا من أفكار كلاوزفيتز، يمكن القول إن الاقتصاد العالمي المترابط وسلاسل التوريد العالمية باتا يؤديان اليوم دورًا مقيّدًا للحروب. ولا سيما في منطقة تضم ممرات استراتيجية مترابطة مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس، حيث ستكون النتائج العسكرية والاقتصادية والسياسية لأي حرب أكثر خطورة وكلفة.


إن العقدة الأساسية في الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران هي مضيق هرمز. وما دام كل شيء آخر قد تراجع إلى الخلفية، فإن المخرج السياسي الذي قد ينقذ ترامب يمر عبر حل هذه العقدة.


فالسير وراء نتنياهو دون حساب يشبه النزول إلى بئر بحبل غير مضمون، لينتهي الأمر بالبقاء عالقًا في القاع. وعلى ترامب، الذي يُفترض أنه أدرك هذه الحقيقة، أن يخرج من هذه الحرب التي لا تحقق أي فائدة للأمريكيين العاملين، بل تضر بمصالحهم. ومن هذه الزاوية، فإن إيران، بإغلاقها مضيق هرمز، لم تجعل استمرار الحرب أكثر صعوبة فحسب، بل ألقت أيضًا لترامب حبل نجاة يمكن أن يساعده على الخروج من هذه الحرب التي يراها كثيرون غير مبررة.


ووفقًا للتصريحات الإيرانية، فإن مضيق هرمز سيبقى مغلقًا ما دامت الولايات المتحدة تواصل حصارها البحري. ويمكن لترامب أن يرفع هذا الحصار ويفتح الباب أمام مفاوضات جادة وحقيقية مع إيران. وهذا هو ما ينتظره العالم من ترامب، باستثناء إسرائيل. كما أن هذا هو «الجسر الذهبي» القادر على إنقاذه سياسيًا. أما إذا اختار تنفيذ ما تريده إسرائيل بدلًا من الاستجابة لما ينتظره العالم، فسيكون قد ارتكب انتحارًا سياسيًا.

#ترامب
#مضيق هرمز
#إيران
#الحرب على إيران