
قال الرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، وبخصوص العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين: «هل يمكن للصين والولايات المتحدة أن تتجاوزا ما يُسمى بـ"فخ ثوسيديدس" وأن تؤسسا نموذجًا جديدًا للعلاقات بين القوى الكبرى؟».
ويُعدّ الجنرال الأثيني ثوسيديدس المؤرخ الأول للحرب التي دارت بين أثينا وإسبرطة (حروب البيلوبونيز) والتي استمرت 27 عامًا بين عامي 431 و404 قبل الميلاد. ويُعتبر ثوسيديدس، الذي يُنسب إليه تأسيس مدرسة «الواقعية» في العلاقات الدولية، أن السبب الجوهري لتلك الحرب كان خوف إسبرطة من صعود قوة أثينا.
ففي العالم اليوناني القديم، الذي كان يتكون من مئات المدن-الدول، رأت إسبرطة—بوصفها قوة برية مهيمنة—أن صعود أثينا كإمبراطورية بحرية يشكل تهديدًا يغيّر ميزان القوى القائم. وقد استخدم بعض المؤرخين الأمريكيين هذا النموذج لاحقًا كإطار لتفسير المنافسة بين قوى مثل بريطانيا وألمانيا، ثم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والآن بين الولايات المتحدة والصين.
أما مصطلح «فخ ثوسيديدس» فقد طرحه أولًا عالم السياسة في جامعة هارفارد، البروفيسور غراهام أليسون. وانطلاقًا من عبارة واحدة لثوسيديدس، صاغ أليسون نظرية تصف التنافس بين القوى المهيمنة أو «انتقال القوة» بوصفه «فخ ثوسيديدس». ومن الجدير بالذكر أن أليسون عمل مستشارًا للعديد من الرؤساء الأمريكيين ووزراء الدفاع في قضايا السياسات الدفاعية.
وقد قدّم أليسون هذا المفهوم في عام 2012 عبر مقال في صحيفة «فايننشال تايمز» بعنوان: «فخ ثوسيديدس ينطبق في المحيط الهادئ: غراهام أليسون يقول إن الصين وأمريكا هما أثينا وإسبرطة العصر الحديث». وفي كتابه الصادر عام 2017 بعنوان «مصير الحرب: هل يمكن لأمريكا والصين تجنب فخ ثوسيديدس؟»، يشير أليسون إلى أن 12 حالة من أصل 16 حالة مماثلة خلال الـ500 سنة الماضية انتهت بالحرب.
أما بعض المفكرين الصينيين فيشيرون إلى هذا المفهوم بصيغة «ما يُسمى بفخ ثوسيديدس». ويرى أليسون أن الصعود السريع للصين يخلق ظروفًا بنيوية قد تؤدي إلى صراع عسكري بين بكين وواشنطن. في المقابل، يرى بعض الباحثين الأمريكيين أن أليسون يمنح الحزب الشيوعي الصيني حجة قوية ضد الولايات المتحدة، معتبرين أن نظرية «الفخ» تصوّر واشنطن كقوة تسعى لمنع الصعود الاقتصادي للصين بصورة عدائية.
ومع ذلك، لا يدّعي أليسون أن «فخ ثوسيديدس» يجعل الحرب أمرًا حتميًا في جميع الحالات. بل يحذّر من أن قادة الصين والولايات المتحدة، إذا لم يقدموا أداءً أفضل من أسلافهم في اليونان القديمة أو أوروبا في أوائل القرن العشرين، فقد يُذكرون لاحقًا باعتبارهم مسؤولين عن حرب دمرت البلدين.
وكان شي جينبينغ قد أشار إلى «فخ ثوسيديدس» في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 خلال مؤتمر «فهم الصين» الذي نظمه «مجلس القرن الحادي والعشرين» التابع لمعهد بيرغروين العالمي في بكين. وبالإشارة إلى إسبرطة وأثينا، قال شي: «علينا جميعًا العمل معًا لتجنب فخ ثوسيديدس—وهو الفخ الذي ينشأ بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة، أو حتى بين قوى قائمة فيما بينها، ويؤدي إلى توترات مدمرة».
وفي سبتمبر/أيلول 2015، وخلال زيارته للولايات المتحدة ولقائه برجال أعمال في سياتل، أكد شي أن إنشاء نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى قائم على الاحترام المتبادل والتعاون الرابح للجميع يمثل أولوية في السياسة الخارجية الصينية، مضيفًا:
«لكي لا نقع ضحية للشائعات أو الهواجس أو التحيزات الذاتية، يجب أن نعتمد أحكامنا على الحقائق. لا يوجد في العالم ما يُسمى بفخ ثوسيديدس. لكن إذا كررت الدول الكبرى أخطاء الحسابات الاستراتيجية، فقد تخلق بنفسها مثل هذه الفخاخ».
وفي مارس/آذار 2024، التقى غراهام أليسون بشي جينبينغ في بكين. وفي تلك الفترة، عُقدت مناقشة في مركز الصين والعولمة (CCG) حول كتاب بعنوان «الخروج من فخ ثوسيديدس: حوار مع غراهام أليسون حول العلاقات الصينية الأمريكية»، الذي نشره رئيس المركز الدكتور هنري هوياو وانغ. وقد ناقش أليسون وانغ خلال هذا الحدث سبل تجاوز هذا «الفخ» بين الولايات المتحدة والصين.
وبحسب التصريحات الواردة في بداية المقال، يبدو أن شي جينبينغ أكثر إصرارًا على تجاوز هذا الفخ. لكن الولايات المتحدة لا تقتصر على إدارة ترامب وحدها، إذ يواصل «صقور الصين» من الحزبين الديمقراطي والجمهوري الضغط من أجل تبنّي سياسات أكثر تشددًا تجاه بكين.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة