حرب عالمية بسبب بوينغ. ما حدث ليس مجرّد حادث طائرة. إنّها حرب اقتصادية ومحاولة انتقام من الولايات المتحدة. الانتقال للمرحلة التالية من الحرب التجارية العالمية - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

حرب عالمية بسبب بوينغ. ما حدث ليس مجرّد حادث طائرة. إنّها حرب اقتصادية ومحاولة انتقام من الولايات المتحدة. الانتقال للمرحلة التالية من الحرب التجارية العالمية

أفضى سقوط طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية من طراز بوينغ 737 ماكس 8 إلى ردة فعل لم ير مثلها في تاريخ الطيران العالمي. وإذا ما أضفنا سقوط طائرة من الطراز ذاته في إندونيسيا قبل أشهر قليلة، ما رفع حصيلة ضحايا الحادثين إلى 346 شخصا، سنجد أن هذا الأمر أدى إلى ما يشبه "التحذير من بوينغ" على المستوى العالمي.

وكانت عشرات الدول، بمن فيها تركيا، قد أوقفت رحلات هذا الطراز من الطائرات وأغلقت مجالاتها الجوية أمام رحلاتها. فبدأ حصار على هذه الطائرات من نحو نصف دول العالم مثل الصين وتركيا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وفرنسا وبلجيكا وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة والهند والبرازيل والأرجنتين والمكسيك وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا وإثيوبيا وكازاخستان.

طلبية بـ500 مليار دولار.. خسارة سمعة أكبر بكثير

وعلى ما يبدو أن هذا الطراز من الطائرات سيمنع من الطيران في العالم كله خلال فترة وجيزة. كما لن تستطيع شركة بوينغ أبدًا تحسين صورتها في قطاع الطيران الذي يستند إلى الأمن الحساس، حتى وإن تغلبت على أخطاء التصنيع. وبمرور الوقت سينتقل وسيوجَّه انعدام الثقة هذا إلى كل طرازات بوينغ وما تصنعه الشركة الأمريكية.

كانت بوينغ قد تلقت حتى اليوم 5 آلاف طلبية لطرازي ماكس 8 وماكس 9، طرازين من الجيل الجديد لمنتجات الشركة الأمريكية، فسلمت منها 350 طلبية. غير أنه عقب الحادث سحبت 330 طائرة من هذا الطراز إلى حظائر الطائرات. وليس من الصعب أبدًا أن نتوقع تقريبًا إلغاء كلّ الطلبيات المتبقية.

تبلغ القيمة الإجمالية للطلبيات التي تلقتها الشركة 500 مليار دولار. ويجب التفكير من الآن كيف ستتحمل الشركة التكاليف الباهظة في حالة إلغاء كل هذه الطلبيات. ولا يتعلق الأمر فقط بهذا المبلغ، فمن الصعب جدا قياس القيمة المادية للسمعة التي ستخسرها الشركة في الأسواق العالمية.

هل نحن أمام حرب اقتصادية على الولايات المتحدة؟

إنها محاولة انتقام...

هل القضية قاصرة على مسألة الأمن؟ وهل هي موجهة فقط لإلحاق خسائر بشركة بوينغ؟ ما علاقة القضية بالحروب التجارية العالمية؟ هل هي جزء من الحرب الاقتصادية التي أعلنها العالم على الولايات المتحدة؟

إنّ هذه الأسئلة مهمة كثيرًا..

وأنا شخصيًّا أعتقد أنّ رد الفعل على هذا النحو ليس قاصرًا فقط على الخسائر الخاصة بإنتاج هذا الطراز من الطائرات. وأرى أنّ الحصار الذي بدأ مع الصين واستمر مع دول آسيا ثم انضمت له كل دول أوروبا وأمريكا اللاتينية ليس قاصرًا فقط على بوينغ، بل إنه حركة انتقام من الاقتصاد الأمريكي.

ستكون له نتائج سياسية وجيوسياسية

وإذا كان الأمر كما اعتقد، فهذا يعني أنّ العالم على أعتاب الدخول في صراع استثنائي في مجال الطائرات المدنية وليس في المجال العسكري. فكل حرب تجارية تؤدي إلى نتائج سياسية. وكل حرب تجارية على المستوى العالمي تفضي إلى نتائج جيوسياسية كبيرة، كما ينجم عنها تحولات كبرى على مستوى القوى العالمية.

لقد كان هذا هو سبب الحربين العالميتين في القرن الماضي. كانت أسبابًا اقتصادية، ثم أسفرت عن نتائج جيوسياسية، وهو ما تحول إلى صراعات ساخنة كبيرة، ما أدى إلى صدامات دولية وتحولات كبرى على مستوى القوى العالمية. كما يمكننا أن نضيف لذلك الحرب الباردة.

الابتزاز الاقتصادي الأمريكي والدول المتضررة

يمكننا أن نتوقع ما سيحدث في المرحلة التالية لو فكرنا في أن الولايات المتحدة تخوض حربًا تجارية ضدّ أكثر من نصف دول العالم، بل وتبتزهم اقتصاديا، والأدهى من ذلك أنها اعتبرت هذه الحرب أهم من الردع العسكري.

هناك من يقولون إنّ الصراع الاقتصادي الذي تخوضه الولايات المتحدة مع الصين وألمانيا (أوروبا) والهجمات الاقتصادية التي توجهها واشنطن نحو عشرات الدول، بمن فيها تركيا، ستضرب المصالح الأمريكية ذاتها في المستقبل القريب.

وأنا أوافق هذا الرأي؛ إذ أعتقد أن الولايات المتحدة، التي أشعلت فتيل حرب اقتصادية عالمية، ستواجه بنفسها أسوأ نتائج هذه الحرب. ولقد كان هذا هو سبب إطلاق الصين رد الفعل ضد طائرات بوينغ وانضمام الدول المتضررة اقتصاديا لهذه الفكرة.

البلطجة الاقتصادية...

العالم سيستهدف أمريكا ما إن يتكشف نقطة ضعفها

لا شك أننا كنا سنرى نتائج للعقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على الشركات الأوروبية، والضغوط التي مارستها عليها، ودخولها في "حرب تجارية معلنة" مع الصين، واستهدافها للأسواق الآسيوية، ومحاولتها تركيع بعض الدول مثل تركيا من خلال حركات الابتزاز الاقتصادي، ودخولها مرحلة من "البلطجة" الاقتصادية. وهو ما يحدث بالفعل اليوم.

لقد بدأ هذا الصراع في الواقع مع الأزمة الاقتصادية عام 2008 عندما أشعل فتيل الخلافات في مجال الاقتصاد العالمي/النظام المالي من خلال انجراف الاقتصادات الغربية إلى هاوية الأزمة. ومنذ ذلك التاريخ والعالم يعيش حربا اقتصادية صريحة. غير أن الولايات المتحدة بدأت مؤخرًا إدارة هذه الحرب بطريقة وقحة وحولتها إلى عدوانية لا يمكن تحملها.

إنّ العالم ينتظر اكتشاف نقطة ضعف لدى الولايات المتحدة، وعندما يجد ثغرة صغيرة سيبدأ تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل. وهو ما حدث في واقعة بوينغ التي كانت محاولة للانتقام من أمريكا وشركاتها على المستوى العالمي، ولا شك أنّ هذا الأمر سيستمر كذلك مستقبلًا.

السلاح الأمريكي يعود ليوجه نحو واشنطن

يريد العالم ضرب الولايات المتحدة من الجانب الاقتصادي، يرغب في إضعافها وتحجيم عدوانيتها. لكننا سنرى أن محاولة التهدئة هذه لن توقف واشنطن، بل إن الحرب التجارية العالمية ستنتقل بكل شدتها إلى مجالات أخرى.

القضية ليست قضية بوينغ وحسب، بل إنها أخطر جبهات صراع أكبر من ذلك بكثير. فالسلاح الاقتصادي الأمريكي يعود ليوجه نحو واشنطن!

+

خبر عاجل

#title#