​ "سنقف مرفوعي الرأس ولن نعاند"عبارة أردوغان هذه هي موقفه وعقلية الدولة وطريقة للكفاح. لو لم نكن قد وقفنا مرفوعي الرأس لكان إرهاب "غيزي" و15 تموز قد نجح. رسم ملامح خريطة جيوسياسية في البحر المتوسط. تركيا ستتدخل في هذه الخريطة - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

​ "سنقف مرفوعي الرأس ولن نعاند"عبارة أردوغان هذه هي موقفه وعقلية الدولة وطريقة للكفاح. لو لم نكن قد وقفنا مرفوعي الرأس لكان إرهاب "غيزي" و15 تموز قد نجح. رسم ملامح خريطة جيوسياسية في البحر المتوسط. تركيا ستتدخل في هذه الخريطة

"سنقف مرفوعي الرأس ولن نعاند!"

إن هذه العبارة التي قالها الرئيس أردوغان ترسم ملامح الطريق الذي تسيره تركيا والأماكن التي ستعبر بها حتى تصل إلى وجهتها.

إنها تحدد عقلية الدولة ورد فعلها وطريقتها للكفاح وموقفها لمواجهة العواصف العاتية التي تهب في منطقتنا والعالم بأسره. فهذه العبارة تشكل المحور الأساسي لفلسفة الدولة التركية، كما أنها تعبر عن مبدأ من السياسة الداخلية إلى الاقتصاد، ومن السياسات الأمنية إلى السياسة الخارجية.

خط الدفاع الاقتصادي:

لقد انتهت حقبة التربية

إننا نرى هذا المبدأ في مكافحة الهجمات الاقتصادية القادمة من الخارج. فتركيا لا تتراجع إلى الوراء قيد أنملة ولا تخشى الضغوط ولا تركع أمامها، بل تقاوم وتبحث عن علاج لها وتفتح أبوابا جديدة وتتجه نحو أسواق جديدة.

ولقد ساهم هذا المبدأ في إفلاس طريقة تربية الدولة من خلال الهجمات أو الحصار الاقتصادي. ولو تنازلنا وتراجعنا فإن هذا لن يسفر عن تحسن الاقتصاد، بل سيؤدي إلى وضع بلدنا قيد الأسر والدمار، فهذا نعلمه جميعا.

وانطلاقا من ذهه الفكرة يجري تشكيل خط مقاومة وخط دفاع اقتصادي. وفي الوقت الذي يشهد فيه الداخل بعض التغيرات التي تركز على "الانسجام"، فإن هناك استعدادات لمواجهة الموجات القادمة من الخارج، كما أن هناك مساع لملء الفراغات التي تخلفها الحرب التجارية العالمية.

كان هدفهم جعلنا نتضرع لهم من أجل "باتريوت"

كانوا يريدون تركنا دون أداة دفاعية

إن تركيا تتحرك في المجال الدفاعي من خلال مبدأ "سنقف مرفوعي الرأس ولن نعاند!". ولم تتراجع تركيا ولو خطوة نحو الوراء بشأن أنظمة الدفاع الجوي بالرغم من كل الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة وأوروبا وحلف الناتو و"الجبهة الداخلية" داخل تركيا.

لقد صمدت تركيا حتى وإن تحول النقاش حول صواريخ إس-400 إلى مسألة سياسية داخلية تتدخل بها كل الدول الغربية؛ إذ بدأت تركيا تسلم منظومة الدفاع الروسية منذ عدة أيام.

ولو كانت قد انتبهت إلى من يخوفونها من الداخل وإلى تهديدات الحصار التي أطلقتها الولايات المتحدة، لكانت هذه الوتيرة قد انتهت منذ زمن بعيد، ولكانت تركيا اليوم لا تزال تتسول منظومة باتريوت في العواصم الأوروبية.

وما كانوا سيبيعوننا هذه المنظومة أو ينقلون لنا التكنولوجيا، ولكانت تركيا ستترك بدون منظومة دفاعية لمواجهة التهديدات القادمة من شمال سوريا وشرق المتوسط وبحر إيجة. فهذا كان هدفهم. ذلك أننا رأينا ليلة 15 تموز أن غرضهم هو ترك تركيا بدون قدرات دفاعية، رأيناه تلك الليلة في أبشع صوره الدامية.

من يخوفوننا بقولهم "هل سنشتبك مع الولايات المتحدة؟" جزء من هذا الحصار

لقد رأينا مسألة "رفع الرأس دون العناد" كذلك في شمال سوريا عندما نفذت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تلك المنطقة أشمل مخطط لعملية حصار تركيا. وإن ممر الإرهاب الممتد من حدود إيران إلى البحر المتوسط كان – في الواقع – "جبهة تركيا"؛ إذ حشدوا قوات عسكرية استثنائية من أجل هذه الجبهة على طول مئات الكيلومترات من الأراضي السورية.

ولقد أرادوا الحيلولة دون تدخل تركيا في ذلك الممر بعدما حصلوا كذلك على مساعدة "الشركاء في الداخل"؛ إذ حصنوا الجانب التركي من ذلك الممر قبل ليلة 15 تموز بمساعدة قادة الجيش المنتسبين لتنظيم غولن الإرهابي.

لقد رأينا من أخافونا بقولهم "وهل سنشتبك مع الولايات المتحدة؟" لكن تركيا قاومت وأغلقت بوابة ممر الإرهاب المفتوحة على البحر المتوسط من خلال عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون.

والآن تبادر تركيا لإغلاق البوابة الشرقية من هذا الممر من خلال عمليات مثل عملية المخلب. كما ستواصل تركيا مقاومتها وستكسر شوكة ممر الإرهاب الذي أغلقت بوابتاه من خلال بعض المناطق الأخرى. وحينها سترون من سيظهر على الساحة لينشر الخوف ويضلل العقول لصالح الولايات المتحدة ومنظمة بي كا كا الإرهابية.

رسم ملامح خريطة جيوسياسية في البحر المتوسط

تركيا ستتدخل في هذه الخريطة

إننا نشاهد مبدأ "رفع الرأس دون العناد" اليوم في شرق المتوسط. فالذين يحاولون محاصرتنا من شمال سوريا مدوا الحصار هذه المرة إلى البحر المتوسط الذي تشهد المنطقة الشرقية منه انتشار سفن أساطيل كل الدول الغربية تقريبا.

لقد شكلت كل تلك الدول جبهة مشتركة في مواجهة تركيا، بخلاف بطبيعة الحال المساومة على حقول الغاز الطبيعي وأزمة التنقيب والاتفاقات المعلنة والسرية. وفي الواقع فإننا أمام خريطة جيوسياسية ترسم للمنطقة تتخطى بكثير مسألة الطاقة.

لم تتراجع تركيا أبدا بالرغم من عزلتها، بل بدأت هي الأخرى عمليات التنقيب، فأرسلت إلى المنطقة سفن التنقيب والمسح الزلزالي لتبدأ فعالياتها. ولقد حولت هذه الجبهة التي شكلها الولايات المتحدة وإسرائيل وانضمت إليها دول المنطقة جزر بحر إيجة إلى قواعد للصواريخ، كما أجرت في المنطقة مناورات عسكرية وجربت كل الطرق لفرض حصار على تركيا التي لم تخفها أبدا كل هذه الأمور، بل أصدرت قرارا بإرسال السفينة الرابعة إلى المنطقة رغما عن قرار فرض العقوبات "الضعيف" الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي أمس الأول.

كما ألغت الولايات المتحدة مؤتمرين صحفيين لفرض عقوبات على تركيا. فواشنطن يمكنها كذلك إصدار قرار بفرض عقوبات، فهذا أمر متوقع، لكن قرارا كهذا لن يجعل تركيا تتراجع، ذلك أن هذا ما كان متوقعا أن يحدث عندما نقف مرفوعي الرأس.

لو لم نكن قد وقفنا مرفوعي الرأس لكان إرهاب "غيزي" و15 تموز قد نجح

لو لم يكن أردوغان والمقربون منه وفريقه والملايين الذين ساروا معه جنبا إلى جنب قد وقفوا مرفوعي الرأس لكان إرهاب غيزي بارك قد أسقط الحكومة، ولكانت تركيا قد سقطت رهينة بيد الاتحاد الأوروبي. لو لم نكن قد وقفنا مرفوعي الرأس ولم نخف أو نلين، لكانت أحداث 17-25 كانون الأول قد نجحت، وكانت محاولة انقلاب 15 تموز قد نجحت هي الأخرى، ولكنا نشهد اليوم صراعات أهلية في شوارع تركيا.

لو كنا قد لِنّا وفزعنا وتوترنا وتوسلنا لكان الإرهاب الذي يتلقى الدعم القوي من الخارج قد أخذ اليوم يضرب تركيا بشكل أقوى.

لو كنا قد تخلينا عن إرادتنا لصالح المحور الأطلسين لكان تنظيما غولن وبي كا كا الإرهابيان اليوم يديران تركيا بشكل مشترك ولكانت تركيا قد انجرفت مجددا بعد مائة عام نحو انهيار أشد هذه المرة.

لن تلين، بل ستكون قبضتك قوية وتستمد قوتك من هذه الأرض

لو لم نكن قد وقفنا مرفوعي الرأس، ما كانت تركيا لتحقيق الصعود الكبير الذي حققته خلال السنوات العشر الماضية، ولكانت لا تزال تتسول اليوم على أبواب الدول الغربية، ولكانوا قد شلوا حركتها على طول حدودها الجنوبية من حدود إيران شرقا إلى بحر إيجة غربا، ولكانت تركيا قد أصيبت بحالة مستعصية من عدم الاستقرار وكانت تغير الحكومات كل أسبوع، ولكانت كل التدخلات القادمة من الغرب قد نجحت وتحولت تركيا إلى دولة مهلهلة.

"ستقف مرفوع الرأس، لكن لن تعاند"، لن تلين أو تطأطئ رأسك. ستكون قبضتك قوية وستستمد قوتك من هذه الأرض وشعبها. ستتحرك انطلاق من أعماق التاريخ لتسير نحو المستقبل.

لن تشارك مخاوف من لا يستمدون قوتهم من هذه الأرض. وستعلم أن "تصفية الحسابات" الكبرى التي بدأت بعد مائة عام هي – في الحقيقة – قدرنا، وأننا لا يمكننا تخطي هذه العقبة إلا بالمقاومة. وعليك أن تعلم كذلك عقل من يقف خلف أولئك الذين ظهروا على الساحة للتصدي لهذه المقاومة، وأن تعلم أي صورة لتركيا يتخيلونها ويخططون لها.

لقد تغير مجرى التاريخ ولا يهم من أين تهب العاصفة

وبغض النظر عما سيأتي بعد ذلك والعواصف التي ستهب، فإنك ستكون على علم بأننا يمكننا التغلب على كل هذه المصاعب فقط بفضل الكفاح دون أن نبكي أو نأن أو نتوسل أو نركع.

لقد رأينا ذلك في شمال سوريا، ونراه وسنراه كذلك ونحن نخوض الكفاح الاقتصادي. نراه في شرق المتوسط، ورأيناه في صفقة إس-400، وسنراه أيضا في محاولات الحصار التالية.

ذلك أننا نواجه حصار وكفاح وتصفية حسابات وتحدي المائة عام. نعلم أننا سنسير في هذه الطريق لنهايته مهما هبت الرياح العاتية وسنتصدي للهجمات التي تأتيها من الداخل والخارج من أجل أن تتغلب تركيا على كل هذه المصاعب.

لأن مجرى التاريخ قد تغير، ونعلم أن أحدا لن يستطيع أبدا وقف هذا الصعود.

لو استرحمانهم سيدمروننا

القادة سيقاومون والشعب سيسير خلفهم

ونعلم كذلك أننا سنضعف وندمر لو توسلنا واسترحمانهم. إننا في مرحلة يفرض فيها القوي قوانينه ويكون المرء فيها ذا سلطة في أي مكان يستطيع أن يمد إليه يده. فهذه المرحلة لا نعيشها نحن فقط، بل يعيشها العالم كله. ولهذا ليس أمامنا خيار آخر باستثناء الاستثمار في القوة والتصميم والعزيمة.

وهذا ما تفعله تركيا وستستمر في فعله. فكلما صمد القادة والدولة ومن يتولون السلطة، فإن الشعب كذلك سيسصمد. ذلك أن هذا الفكر وهذه الجينات السياسية هي أساس فلسفتنا صاحبة تاريخ الألف عام على أراضي الأناضول.

+

خبر عاجل

#title#