مَن غير أردوغان يمكنه إلقاء هذا الخطاب؟ إن ذلك الصوت هو هوية وطموح المنطقة والماضي والمستقبل هناك مهندسو النهضات الكبرى ومسيئو الحسابات الصغيرة على من "فوتوا التاريخ" ممن في الداخل أن يخجلوا! - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

مَن غير أردوغان يمكنه إلقاء هذا الخطاب؟ إن ذلك الصوت هو هوية وطموح المنطقة والماضي والمستقبل هناك مهندسو النهضات الكبرى ومسيئو الحسابات الصغيرة على من "فوتوا التاريخ" ممن في الداخل أن يخجلوا!

إن قوة تركيا الكبرى هي نفسها وطموحها، هو ما يستمد قوته من منطقتها وخبرتها كدولة يرجع تاريخها إلى مئات السنين ودورها الذي لطالما صنع التاريخ وحساباتها المستقبلية. ولقد أنجز كل شيء متعلق بتركيا من خلال القوة والطموحات التي تحملها.

إن أكبر ضعف تعاني منه تركيا كذلك هو نفسها، فضعفها هذا نابع من نفسها ومنطقتها وتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية الكبرى التي لم تنقطع منذ مئات السنين. فلطالما أوقفوا تقدم تركيا وحاولوا إيقافها من الداخل.

مهندسو النهضات الكبرى ومسيئو الحسابات الصغيرة

حلّالو العقد هم الزعماء الأقوياء

ولطالما مر تاريخنا السياسي الممتد لألف عام في الأناضول في ظل هذه التناقضات والصراعات، كما مرت كل تلك القرون من خلال تصفية حسابات المسيئين الذين حاولوا إحباط النهضات التي قادها مهندسو النهضات الكبرى.

لقد كان القادة العظماء دائما هم الذين حلوا هذه العقدة. فهناك زعماء أحسنوا تفسير تحركات القوى الإقليمية والدولية ليصيغوا ذهنية تتماشى مع هذه التطورات، فاتبعوا أحيانا تحولات في غاية القسوة حينا وطويلة الأجل حينا آخر. ولقد نجح أولئك الزعماء في المحافظة على بقاء الدولة ووضعها في مركز خريطة القوى.

صعودنا وانهيارنا يهزان العالم ويغيران التاريخ

لم تكن قوة تركيا أبدا قاصرة على نفسها فقط، بل دائما ما انتشرت في محيطها لتضيف قوة إلى قوة منطقتها وتنمو وتكبر بفضل الطموحات. ولقد كانت حملات صعودنا وطامات انهيارنا دائما سببا في هز العالم ورسوم ملامح المنطقة وصناعة التاريخ.

واليوم بينما ترسم ملامح عالم جديد بدأت عملية إنشاء قوة جديدة مثلما حدث إبان قيام الدولة السلجوقية والإمبراطورية العثمانية، لتتشكل نسخة جديدة تماما من التاريخ والجغرافيا ويظهر الصعود التركي على الساحة بشكل إعجازي.

واليوم فإن ما يسير نحو الصعود ليس تركيا وحسب، بل "محور تركيا"، ليس الأناضول فحسب، ليس حدود تركيا فقط، بل وعي إقليمي.

السلطان سليم جمع المنطقة

السلطان القانوني هز عروش أوروبا

لا يمكن مواصلة هذا الصعود دون دخول شرق الفرات

ولهذا السبب تحديدا أعيد اللجوء إلى التكتيكات القديمة إلى جانب حملة الصعود الحديثة، وتم تحريك مساحات الضعف من الداخل والمحيط القريب، وشُكلت أولوية دولية تحت شعار "إيقاف تركيا"، وأصبحت الجبهات تشكَّل في الداخل وفي المنطقة من أجل هذا الغرض. وهو ما حدث في كل عصر من عصور تاريخنا، وهو ما يحدث كذلك الآن.

لو لم تكن الدولة العثمانية قد أمّنت الأناضول لما كانت قد استطاعت أن تكون قوية لهذا الحد في الغرب، ولو لم السلطان سليم الأول قد وحد المنطقة لما كان ابنه السلطان سليمان القانوني قد استطاع هز عروش أوروبا.

إن تركيا اليوم لو عجزت عن تفريق عناصر "الجبهة الدولية الداخلية" والتدخل في "جبهة تركيا" في شمال سوريا وإعاقة تقدم التهديد القادم من شرق الفرات، فإنها لن تستطيع مواصلة هذا الصعود والتقدم.

لكننا دائما ما تخطينا هذا الحواجز

وعرفنا الطريق الذي سنسير فيه

لكننا نعلم جيدا كيف نتخطى الحواجز التي تظهر أمامنا كلما بدأنا حملة صعود جديدة؛ إذ دائما ما كان هناك عقلية تعلّمنا الصعود وكذلك تخطي هذه الحواجز. فيكفينا أن تسمح لنا بذلك الظروف الدولية وتفتح أمامنا خريطة القوى مجالا لنتقدم ويمنحنا التاريخ فرصة؛ إذ إننا دائما ما علمنا الطريق الذي سنسير فيه.

لقد عاد ذلك العقل ليتحرك من جديد اليوم، كما تخلصت القوة من كل القيود التي كانت تسيطر عليها. ذلك أن النظام الدولي انهار ، وعجز الجميع عن إقامة نظام جديد، فتفرقت القوة، لتجد لتركيا مجددا طريقا للخروج من هذا الفراغ.

وفي كل مرة تحركت فيها هذه القوة لم يستطع شء أو يوقفها، فانتشرت عىل مر الزمان، تسارعت وتيرتها حينا وتباطأت حينا، لكنها لم تتوقف أبدا، ومن يرجع للتاريخ سيرى ذلك حتما.

ما كان أحد غير أردوغان أن يلقي خطابا كالذي ألقاه في الأمم المتحدة..

ما كان أحد من زعماء العالم اليوم أن يستطيع إلقاء خطاب كالذي ألقاه الرئيس التركي أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. لا أقول لا يلقيه، بل لا يستطيع أن يلقيه.

فليس هناك أي زعيم دولة، مهما كانت قوته، يستطيع أن يعلن أمم العالم كله بهذا القدر من العبارات القوية عن مشاعر المسؤولة والعدل والضمير بهذا القدر الذي عبر عنه الزعيم التركي.

لم يكن خطاب أردوغان من قبيل الاستعراض، بل كان صوت لغة وهوية سياسة تمتد من سور الصين إلى أواسط أفريقيا، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر.

لقد كان ذلك الخطاب انتماء يتجه من أعماق التاريخ إلى المستقبل، انتماء إلى المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادئ والتي تشكل "الحزام المشترك" لهذا العالم.

صوت وخطاب يمثلان طموح المنطقة والماضي والمستقبل

لم يتحدث الخطاب فقط عن وقائع الظلم، بل كان خطابا عالميا يهدف لإقامة عالم جديد والتساؤل حول مصير العالم القائم بالفعل. لقد كانت تلك الكلمات وطريقة إلقاء الخطاب وذلك الاعتراض طموحا خاصا بهذه المنطقة وماضيها، واليوم أصبح كذلك طموح المستقبل، إعلانا للطريق الذي تسير فيه تركيا، خطاب عصر الصعود الجديد.

علينا ألا نثّمن خطاب أردوغان بالنظر فقط إلى تركيا، بل علينا تثمينه بالنظر إلى العالم اليوم وإلى الشرق والغرب والميول السياسية الجديدة على المستوى الدولي وعمليات البحث التي تخوضها الدول من أجل حماية نفسها وكذلك الحسابات والمخاوف المتعلقة بالمستقبل.

من لهم إرث إمبراطوري يعودون إلى طموحاتهم السياسية

أما من ليس لهم إرث كهذا فيرجعون إلى ادعاءاتهم القومية

لقد انهارت كل الكيانات فوق الوطنية، كما انهارت جميع الاتفاقات والمعاهدات التي تقيد إمكانيات الدول، ولم يعد العالم يدار من خلال الديمقراطية والحريات. ولقد أصبحت حتى الدول المركزية واقعة تحت التهديدات الصريحة، ولم تعد أي دولة تشعر أنها في أمان.

إن الذين لهم تاريخ إمبراطوري صاروا يرجعون إلى طموحاتهم التاريخية، وأما من ليس لهم إرث كهذا فيرجعون إلى ادعاءاتهم القومية. كما أن الذين يحملون إرثا إمبراطوريا فيمنحون القوة لدروعهم الدفاعية على المستوى الدولة، أما من ليس لهم إرث كهذا فيمنحنون القوة لدروعهم الدفاعية على المستوى الوطني. إن كل دولة تعمل على تقوية مجال سلطتها المركزية، وتحاول الاستعداد لخوض غموض لم يضع أحد له تعريفا.

تعمل كل دولة على إعادة اكتشاف جوانب قوتها. ومنهم من يستثمر في الهوية والشراكات الإقليمية، ومنهم في العنصرية، ومنهم في القوة العسكرية، لتتجه كل دولة منهم إلى المجال الذي تستطيع إنشاء مجال قوة به.، ذلك أن كل الدولة صارت تعلم جيدا أنها لن تستطيع الصمود من خلال الوصاية والحماية والتحالفات مع الدول الأخرى.

تركيا مستعدة أكثر من دول أخرى

انظروا إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وألمانيا، فكل هذه الدول عادت إلى مجال قوتها. وتعتبر تركيا من أكثر الدول التي فطنت ذلك وعادت لمجال قوتها مبكرا.

وهذا هو سبب استدعاء تركيا اليوم تاريخها السلجوقي والعثماني واهتمامها بكل مكان في منطقتها وانتقالها إلى النظام الرئاسي في الحكم وتركيزها بشكل كبير على المجال الدفاعي وإعادة تعريفها للعلاقات الثنائية والعلاقات متعددة الأطراف وإعادة تفسيرها لمصطلحي القوة والتهديد.

الزعماء الثلاثة الأقوياء الذين يجرون خلفهم العالم والعصر الحالي

وإلى جانب كل ما يحدث فهناك عالم جديد يقوده الزعماء الأقوياء ويرسمون ملامحه. فهؤلاء الزعماء صاروا في المقدمة بعدما ومن خلفهم تأتي الحكومات والمؤسسات والخطابات والحسابات السياسية والنظام القائم. كان القادة في السابق يتشلكون حسب النظام القائم، غير أن الأنظمة الحالية في العهد الجديد تتشكل وفق القادة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك نذكر أردوغان وبوتين وترامب ومسيرتهم وشخصيتهم السياسية.

إن هؤلاء الزعماء الثلاثة الأقوياء في عالم اليوم هم الذين يحددون أجندة العالم بأسره. وعلينا أن نضيف إليهم كذلك زعيمي الهند والصين. ولا شك أن أردوغان يلعب دورا حيويا يرسم ملامح التاريخ والجغرافيا بالرغم من كل الحملات القذرة والعمى السياسي والعواصف الرامية لتضليل العقول في الداخل. فهذا هو الواقع مهما غاروا.

من يفوتون التاريخ في الداخل!

علينا أن نتذكر كلمة ترامب في الأمم المتحدة:

"إن المستقبل سيكون للشخصيات الوطنية وليس أصحاب الرؤية العالمية".

وهي العبارة التي نسوقها لـ"أصحاب الوصاية في الداخل من الذين يتنافسون فيما بينهم لتلقي المعلومات من أصحاب الرؤية العالمية". فالذين يشكلون الجبهات الداخلية من أجل "إعاقة تقدم تركيا" سيمحوهم التاريخ من ذاكرته كما يفعل مع من يقرعون الأبواب الخاطئة في كل صعود تاريخي.

إنهم فوتوا قطار التاريخ في الوقت الذي كانوا فيه ينسجون خيوط أحلام كبيرة!

+

خبر عاجل

#title#