"معركة الحضارات" أوقفت في تركيا! افتتاح آيا صوفيا وقراءة أردوغان للقرآن: العقلية الجيوسياسية، صعود القوة، الحكمة - إبراهيم قراغول

نحن نضع ملفات الارتباط بشكل مناسب وبطريقة محدودة ومشروعة مع سياسة البيانات. يمكنكم مراجعة سياسة البيانات الخاصة بنا للاطلاع على المزيد من التفاصيلمعلومات مفصلة..

GAZETE YAZARLARI

"معركة الحضارات" أوقفت في تركيا! افتتاح آيا صوفيا وقراءة أردوغان للقرآن: العقلية الجيوسياسية، صعود القوة، الحكمة

لقد أعلن الغرب "عدوا" جديدا له مباشرة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي قبل 30 عاما، ليضع محور الأطلسي الذي يحكم العالم منذ قرون تعريفا لـ"تهديد" يتصاعد في مواجهة هيمنته على العالم، فهذا العدو والتهديد كان الإسلام والعالم الإسلامي.

فرضوا أولا على جميع الدول مسألة مكافحة الإرهاب وجعلوها جميعا تستعد لمواجهة "عصر الإرهاب". ومن يلاحظون جيدا كانوا يرون أن نشاط الإرهاب لم يكن بقدر نشاطه في زمان الحرب الباردة، لكن أحدا لم يكن قادرا على مواجهة هذه العاصفة وهذا الخطاب السياسي القوي.

كما كانت بعض الدول الإسلامية تتحرك من أجل أمريكا وأوروبا وتشارك حتى في العمليات المضادة لـ"الإرهابيين الإسلاميين" الذين يمكن أن يشكلوا تهديدا بالنسبة للغرب.

"عصر الإرهاب" و"تهديد الإسلام"

هكذا هيأوا العقول

بيد أن الذين أعلنوا بداية "عصر الإرهاب" ووضعوا تعريف "تهديد الإسلام" كانوا هم أنفسهم سادة الإرهاب، فكانوا يديرون الإرهاب وكذلك فكرة مكافحة الإرهاب من المراكز ذاتها، ولهذا الغرض فقد نسقوا فيما بينهم على مستويات الأمن والدبلوماسية والاقتصاد والسياسة والثقافة، فنجحوا في إعادة رسم الخريطة العقلية والذهنية لمليارات البشر حول العالم.

لم تكن القضية قضية إرهاب أبدا، بل إن جميع الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية كانت ترمى لإعادة رسم ملامح العالم الإسلامي وتقاسم ثرواته للمرة الثانية عقب انهيار الدولة العثمانية.

لقد كانوا يعيدون رسم ملامح الدول وفق لهذه المخططات والحسابات ليحولوا كيان السلطة ويضعون تعريفات استراتيجية جديدة من خلالها. كما قادوا جميع الدول الإسلامية تقريبا إلى الجبهة من أجل القتال في سبيل السيطرة الغربية على العالم.

والمؤلم في الموضوع أن أيًا من هذه الدول التي اقتيدت إلى الجبهة لم تعِ أن الحرب إنما هي معلنة على بلدانها وشعوبها وأوطانها. ذلك أن خريطة القوى كانت هي كذلك التي تشكل الأفكار والهويات ونظرة الدول لنفسها وللعالم.

وكانت معظم هذه الدول تخوض المعركة ضد شعوبها لتنال استحسان الغرب وتشتري بذلك السلطة. ولقد كان انقلاب 28 شباط حدثا ظلاميا بالنسبة لتركيا تلك الدولة العظيمة التي تخلوا عنها لصالح خرافات اليمين المتطرف في إسرائيل والمحافظين الجدد بشأن الإسلام.

11 أيلول والحملة الصليبية الجديدة وصراع الحضارات

وعندما ضرب الإرهاب نيويورك وواشنطن، وهي الهجمات التي لا تزال لم يكشف النقاب عن تفاصيلها بالضبط، فتح المجال أمام حملة استيلاء جمعية في إطار ذلك المخطط الدولي. فاحتلت أفغانستان ثم العراق ولم تتعالى أصوات الاعتراضات الضعيفة إلا من قلة من دول العالم الإسلامي.

والسبب أنه كان هناك حصار ذهني فكان من يرفع صوته بالاعتراض يقضى عليه في التو واللحظة. أقول ذلك بصفتي أحد الذين عاشوا أحداث الظلم التي تعرض لها الصحافيون الذين اعترضوا على احتلال العراق. فحتى المثقفين المسلمين ساهموا في التصديق على هذا المخطط الغربي وكانوا يقللون من شأن من يعترض على هذا الأمر.

وكان الرئيس الأمريكي آنذاك بوش قد وصف حملات الاحتلال بـ"الحملات الصليبية" و"صراع الحضارات" وهما التعريفان اللذان بواسطتهما انتقل الغرب إلى المرحلة الثانية من تصريح رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تاتشر عندما قالت "انتصر الغرب على الشيوعية وسيعرف كيف يخضع الإسلام كذلك لسيطرته".

حاربنا السوفييت قبل عام 90 وحاربنا أنفسنا بعدها

سرقة الأوطان في كل مكان!

لقد وضعوا العالم الإسلامي قبل عام 1990 في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وأما بعد ذلك التاريخ فقد وضعوه في مواجهة الإسلام وشعوبه وأوطانه.

ولقد كان ذلك بمثابة بداية عصر ظلامي لكل من يعرفون التاريخ السياسي والجغرافي وتاريخ المدن القديمة والعالم الإسلامي وتاريخ تركيا في هذه المنطقة الذي يمتد لقرون.

كانت الدول الإسلامي تدمر والمدن تزال من على الخريطة والشعوب تمزق أواصرها استنادا إلى آراء شعبوية قاصرة وتحول ديارها إلى دويلات صغيرة والجماهير تسلب أوطانها والمقدسات الإسلامية تنتهك وهويات الشعوب تسحق، فكانوا يقيمون مراكز التعذيب في كل الدول ويختطفون شباب المسلمين ليتجاروا فيهم، كما كانوا يقيمون السجون على متن السفن التجارية في المحيطات.

الحملات الصليبية في آخر 3 عقود

لقد كان الغرب، أي المحور الأطلسي ومن يحكمون العالم منذ عهد الاستعمار، ينفذون هجمات شرسة ترمي لطرد المسلمين خارج عجلة التاريخ ليقيموا نظامهم الدولي الجديد. وبينما كان يفعل ذلك كان يضع أمام الدول الإسلامية والمثقفين من المسلمين بعض الكسرات في محاولة لإلهائهم ليستطيع بهذه الطريقة أن يرسم ملامح ما هو صحيح وما هو خاطئ.

لقد كان ذلك أكبر هجوم يستهدف منطقتنا منذ الحرب العالمية الأولى. ولطالما اعتبرت الجزء الذي يستهدفنا من هذه الحرب التي دمرت الدولة العثمانية "حملة صليبية".

ولقد كانت حملات الاستيلاء والتدمير المستمرة في آخر 30 عاما حربا صليبية برأيي. ذلك أن الإسلام والمسلمين والحضارة كانت تشكل أرضية هذه التدخلات الشاملة.

الغرب كان يحمل مخططا آخر لتركيا

لكن الغرب صار عاجزا عن إدارة الحرب على العالم الإسلامي بسبب تبدل موازين القوى الدولية، لكنه لم يتخل عن الفكرة، بل تباطأت وتيرة تقدمه وحسب. ولقد كانت تركيا هي أفضل الدول التي استطاعت فهم تبدل موازين القوى الدولية لتتحرك وفقا لذلك. وما كان يمكن أن يحدث ما هو بخلاف ذلك، لأن تركيا كانت تغير التاريخ والجغرافيا منذ مئات السنين.

ولهذا السبب كانت لديهم مخططات أخرى تستهدف تركيا التي كانوا يعلمون جيدا تاريخها السياسي و"قدرتها الجغرافية"، فأقدموا على التدخلات المتتالية كيلا تستيقظ هذه الدولة التي أناموها قبل مائة عام.

لم يكن هناك أي دولة غير تركيا استطاعت أن تحرك المجتمعات المسلمة التي تعيش على رقعة واسعة من الأرض تمتد من الأطلسي إلى الهادئ. ولهذا كان يجب السيطرة عليها وإيقافها ومنعها من التقدم.

الحرب على الإسلام تحولت إلى "إيقاف تركيا"

لكن شيئا غير متوقع قد حدث!

لقد كانت عقيدة الحرب على الإسلام تتحول إلى مخطط إيقاف تركيا، فما كانوا يفعلونه للحرب على الإسلام أصبحوا يفعلونه لإيقاف تركيا، كما تحولت الإسلاموفوبيا إلى تركيافوبيا، فكانت محاولة انقلاب 15 تموز الفاشلة ذروة هذه التدخلات.

لكن شيئا غير متوقع قد حدث؛ إذ بدأت تركيا تستخدم عقلا شجاعا وعازما وسريعا للغاية ويدار بكل حكمة.

لقد صفت تركيا أولا أوساط الوصاية في الداخل وأممت سلطة الدولة واكتسبت وعيا وإدراكا وقوة جديدة موجهة لجميع المجالات والسياسية والاجتماعية والثقافية. كما شكلت موجة مجتمعية تسير في هذا الاتجاه.

أعقب ذلك مباشرة استهداف مجالات الحصار الموجهة لتركيا، فكسرت الواحدة تلو الأخرى لتوسع تركيا نطاق نفوذها؛ إذ لم تعد ستدافع عند النقطة صفر من حدود الأناضول، بل كانت ستقيم خطوط دفاعية في أعماق المنطقة.

وقد أصبحت رسالة تركيا وتأثيرها ومحورها ينتشر في صورة موجات في المنطقة بأكملها لتتحول هذه الرسالة إلى أقوى رسالة سياسية، فكانت موجة تركيا تكتسب مزيدا من القوة من الخليج العربي إلى القوقاز ومن البحر الأحمر إلى بحر إيجة.

لقد كانت هذه عقلية مبنية على استمرارية الدولة المستمرة منذ عهد الدولة السلجوقية والعثمانية إلى الجمهورية التركية. لقد انتهت الحرب العالمية الأولى للتو ليبدأ عهد صعود جديد.

هذا هو فتح آيا صوفيا

قراءة أردوغان للقرآن إعلان للنهوض والصعود!

هذا ما يعنيه إعادة تحويل آيا صوفيا إلى جامع، فالعقلية الجيوسياسية والوعي والرمز والقوة للتاريخ السياسي هو نتيجة تحريك كل شيء.

لقد انهارت مخططات الغرب لطرد تركيا والعالم الإسلامي خارج عجلة التاريخ تحت مسمى "معركة الحضارات". فهذه المعركة المدمرة أوقفت على أرض تركيا، بالضبط كما أوقفت الحملات الصليبية في الأناضول.

ولعل قراءة الرئيس أردوغان للقرآن داخل آيا صوفيا بصفته زعيم هذه الحركة والمسيرة قد قلبت رأسا على عقب مخططات الغرب لإسكات الحضارة الإسلامية وقوة تركيا وثروة المنطقة لمائة عام مقبلة.

إن الحضارة التي أرادوا تدميرها تسير باتجاه النهوض والصعود، وهو ما يعتبر أحد أعظم الأحداث في التاريخ السياسي.

+

خبر عاجل

#title#