بصمات تركيا في قارات ثلاث. تغير محور العالم. "ماذا تريد تركيا فعله؟ ما الذي يفكر به أردوغان؟" - إبراهيم قراغول

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

بصمات تركيا في قارات ثلاث. تغير محور العالم. "ماذا تريد تركيا فعله؟ ما الذي يفكر به أردوغان؟"

علينا النظر بدقة وتمحص إلى تركيا والمنطقة والعالم حولنا لنرى ونقرأ كل ما يحدث كمشهد واحد. ذلك أننا نشهد منعطفًا تاريخيًّا حاسمًا تنهار به الدول ويسطع فيه نجم دول جديدة ويتغير فيه محور العالم بأكمله.

ينبغي لكم أن تنسوا العالم الذي لطالما اعتدتموه؛ إذ إننا سنشهد خلال السنوات العشر المقبلة تغيرات حاسمة ستغير ملامح أذهاننا وهوياتنا ورؤانا السياسية، فستضعف الدول المركزية وسيسطع نجم دول أخرى لتحقق المفاجأة.

ستنقلب خريطة القوى رأسا على عقب، كما ستتغير الخرائط الواقعية وسيعاد تعريف كل الكيانات التي رسمت ملامحها وفق ميزان القوى الموجود حاليًا في العالم. ستخسر بعض الأمم والدول التي تشكّل العالم حاليا قوتها "المركزية"، لنرى ظهور دول ونجوم ساطعة جديدة وشراكات إقليمية حديثة ومجالات قوى وثروات جديدة.

لا شك أن الدور الأبرز في حدوث هذا التغير سيكون من نصيب السمات الجغرافية والطموحات الجيوسياسية وانتماءات الهوية الحضارية وما تستند إليه الدول والشعوب من حقائق تاريخية.

لذلك علينا ألا نحصر أنفسنا فيما يمليه علينا الغرض، ذلك أنه لن يكون هناك عالم يحكمه الغرب بعد اليوم.

لقد أصبحنا اليوم أمام نظام سوسيولوجي واجتماعي جديد شكّلته جائحة كورونا ملامحه وسارعت من وتيرته، كما صار هناك نمط حياتي جديد، ما شكّل مع ما نعيشه من طفرة معرفية وتحول ذهني متسارع أنماطًا اجتماعية جديدة، وهو ما سيسرع من وتيرة تبدل المحاور الدولي التي نتحدث عنها، ما سيسفر عنه تبدل موازين القوى الكبرى خلال فترة قصيرة.

لذلك علينا ألا نهتم فقط بما يحدث في الولايات المتحدة وأوروبا بل علينا أن ننتبه كذلك لما يحدث في دول آسيا. ذلك أنه لن يكون هناك عالم ذو مركز غربي بعد اليوم. ولو حصرنا أنفسنا على أمريكا وأوروبا والمحور الأطلسي سنخسر العالم، وهو ما ينطوي على تهديد سيدمر آفاقنا وأهدافنا وطموحاتنا.

لسنا دولة شرقية ولا غربية

ذلك أننا لسنا دولة شرقية ولا غربية، بل دولة تنتمي للحزام الأوسط. فأين يقع هذا الحزام الأوسط؟ ولماذا يعتبر إقليميا لا ينتمي للشرق أو الغرب؟ وما الذي نسعى لتحقيقه ببحثنا عن مركز جديد بخلاف الشرق والغرب؟

علينا إعادة رسم ملامح هذا الحزام؛ إذ ينبغي لنا وضع تعريف جغرافي جديد يشمل الجوانب الجغرافية والثقافية والإرث الثقافي المشترك والجينات الإمبراطورية ومساعي البحث عن القوة وكذلك الموارد والأسواق والأهم من ذلك أن يشمل هوية حضارية.

ذلك أن هذا التعريف الجديد سيرسم ملامح أذهاننا وانتمائنا وسيدعم طموحاتنا ليؤمم للمرة الأولى بعد مرور الكثير من السنين طريقة إدراكنا لبلادنا والعالم.

الشرق الأوسط النقطة الفاصلة للعالم، أما نحن فمركزه

إن منطقة الشرق الأوسط هي النقطة الفاصلة للعالم، أما نحن فمركزه، فهذا هو المحور الأساسي للعالم، فهو يمتد من سواحل الأطلسي إلى شواطئ الهادئ ويضم ثلاث قارات ويعتبر مهد الحضارات. وهي منطقة "لا يسعها تعريف القوى الشرقية والغربية"، فيمتد من أدغال أفريقيا والغابات المطيرة في آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا إلى شبه جزيرة البلقان التي تعتبر بوابة أوروبا. كما أنها منطقة تضم الكثير من الموارد وطرق التجارة البرية والبحرية التقليدية والجديدة وتربط بين جميع قارات وبحار العالم. لذلك لا يمكن لأي دولة أن تفرض نفسها كقوة دولية دون أن تجد لنفسها مكانا في هذه المنطقة.

انهيار بعض القوى وصعود قوى عظمى جديدة

علينا أن نتابع باهتمام مسارات القوة والتكنولوجيا والمعرفة والموارد البشرية والمساعي السياسية والجيوسياسية وننظر لصعود دول آسيا وتراجع قوة الغرب وما تشهده أفريقيا من صراعات قوى.

ولعلنا سنرى التغيير الكبير الذي يعيشه العالم وأقاليمه ودوله وما هي المساعي الكبرى التي يسعى إليها الجميع وما هي أولويات كل طرف، لكن علينا ألا نتأخر عن ذلك أبدا. كما علينا ألا نتأخر في متابعة الاستعدادات التي تجريها الدول والشعوب من أجل المستقبل وما هي البلدان التي تخوض السباق في موقع الصدارة وما هي البلدان التي تخلفت عن الركب ومن الذي يسعون للجوء إليه وكيف انهارت بعض القوى العظمى وسطع نجم دول عظمى جديدة.

نعيش في عصر هو الأسرع

إننا اليوم نعيش في عصر يشهد أسرع تبدل لموازين القوى. لذلك فإن أي دولة تعجز عن قراءة هذه الأحداث لتتحرك وفقا لها وتتخذ ما يلزم من تدابير وتنطلق في مسيرتها ستعجز عن لعب دور مركزي في عالم المستقبل.

علينا أن ننظر من هذه الزاوية للكفاح الذي تخوضه تركيا والاستعدادات التي تجريها والخطوات التي تقدم عليها، ذلك أننا حينها سنفهم كيف أفضت الجدالات التي تشهدها في الداخل إلى إصابة البعض بعمى ذهني.

أما أهم نقاش يعيشه العالم حاليا فهو ما الذي تريد تركيا فعله وما الذي يفكر به أردوغان.

لذلك علينا أن ننظر لما يحدث اليوم: تمثل تركيا ثاني أكثر مسألة تشغل العالم بعد مسألة تصفية الحسابات بين أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. فترى الأوساط السياسية والإعلامية في الشرق والغرب تناقش هذه المسألة باهتمام كبير "ما الذي تريد تركيا فعله وما الذي يفكر به أردوغان؟"

إن هذه المسألة تقع في مركز كل النقاشات وما يعيشه العالم من صداقات وعداوات جديدة تتشكل، فتحاول كل دولة أن تعيد وفق ذلك رسم ملامح علاقتها بتركيا وتحديد علاقة جديدة.

إن كل خطوة تقدم عليها تركيا تلقى صدى واسعا حول العالم؛ إذ يتابع الجميع باهتمام بالغ ثورتها التكنولوجية والدفاعية ومكافحتها لجائحة كورونا ومعركتها الاقتصادية وتحولها الممنهج وموقفها القوي على الساحة الدولية.

نواجه القوى العظمى

هل ستكون تركيا قوة نووية؟

إن جميع القوى حول العالم تتأثر عندما نقوم بنهضة جيوسياسية. ولذلك تظهر أمامنا تحالفات دولية تضم القوى العظمى في شمال سوريا والعراق وليبيا وقره باغ وشرق المتوسط وبحر إيجة وشمال ووسط أفريقيا.

تشعر كل دول الغرب بقلق بالغ جراء تمركز قوة تركيا في الشرق الأوسط، كما تتساءل فيما بينها عن آثار الحضور التركي المتزايد في شمال ووسط أفريقيا، فتحاول كبح جماحها. أما الهند فتشعر بالهلع من الشراكات الدفاعية التي تعقدها تركيا مع باكستان، فتبحث عن اكتساب قوة نووية.

أما روسيا فتتابع باهتمام تقارب تركيا مع دول القوقاز ووسط آسيا، فيما تحرض اليونان جميع الدول والقوى العظمى التي تستطيع الوصول إليها من أجل الانضمام للجبهة المعادية لتركيا. فهذه الدول والأوساط كافة تقيم التحالفات المتتالية داخل تركيا من أجل إيقافها أو على الأقل إبطاء تقدمها.

سطوع نجم تركيا بينما يصطدم الشرق بالغرب

لقد بدأت العقلية الغربية تفكر بعبارات مثيرة ومحرضة من قبيل "تركيا يمكن أن تحقق التوازن مع روسيا والصين في آسيا الوسطى" و"لو انقطعت تركيا عن الغرب يمكن أن تغلق أبواب آسيا في وجه الدول الغربية".

إن نجم تركيا يسطع وترسم ملامح حضورها على الساحة الدولية بنفسها في الوقت الذي يحاول فيه الشرق والغرب استغلالها كسلاح ضد بعضهما. إن ما يحدث يمثل طفرة ذهنية سيستمر تأثيرها لقرون، وهو ما قصدناه عندما قلنا "عودة القوة التي تصنع التاريخ وترسم ملامح الجغرافيا". ولا يمكن بأي حال إيقاف تركيا بحصارها من الخارج وإقامة الجبهات من الداخل، ذلك أن أفضل طريقة للتعامل مع هذا الصعود هي "التعاون".

مفاجأة الصعود في مواجهة "دويلات المدن"

إن تركيا قادرة على تغيير محور العالم بفضل تعريفها الجديد للمنطقة وعقليتها السياسية وأهدافها وطموحاتها وخطواتها الدؤوبة وما أصبح أمامها من مساحة وفرها لها تبدل موازين القوى والمساعي الجديدة التي يشهدها العالم.

أمر ممكن

علينا أن ننظر إلى تركيا والعالم من وجهة النظر هذه، كما علينا أن نكمل مفاجأة الصعود هذه من أجل بلادنا وخريطتنا للمنطقة لنستطيع مواجهة أصحاب مخططات تحويل بلادنا والمنطقة إلى دويلات مدن. فهذا ما لطالما فعلناه على مر التاريخ، لذلك فنحن قادرون على تكراره مجدّدًا.

+

خبر عاجل

#title#