من سيكون "العدو الجديد" للغرب؟ الصين أم روسيا أم تركيا؟ - إبراهيم قراغول

>تُستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومنظمة وفقًا لتشريعات قانون حماية البيانات الشخصية رقم 6698 .للحصول على معلومات مفصلة يمكنك مراجعة سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

GAZETE YAZARLARI

من سيكون "العدو الجديد" للغرب؟ الصين أم روسيا أم تركيا؟

تستند القوة العالمية للغرب والولايات المتحدة وأوروبا على العداء والتهميش والنهب، فهذا مستمر منذ عدة قرون، وسيكون كذلك في القرن الحادي والعشرين، بل حتى فإن الملخص الموجز لاستراتيجية إنتاج الأعداء سيكون كافيًا للتنبؤ بالخطوات التالية التي ستتخذها الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد صاغ الغرب عدوه عندما أطلق وصف "البربر" على بقية سكان العالم في بداية حقبة الاستعمار، كما همّس السكان الأصليين في أمريكا وجنوب شرق آسيا تحت مسمى "التمدن" ليبدأ بناء قوة في طريقه نحو العالمية.

الأندلس والدولة العثمانية والحملات الصليبية

هذا ما يحدث اليوم أيضا..

لقد انتشر الغرب من أمريكا اللاتينية إلى الملايو ومن الهند إلى العالم الإسلامي عن طريق إنتاج "الأعداء" بهذه الطريقة، وهكذا بدأ النهب العالمي. فهذا التاريخ دموي ومروع ومليء بصفحات الألم والعار التي لم ترها البشرية من قبل.

لقد فعل الغرب الشيء نفسه ضد الأندلس والعثمانيين عندما جعل الإسلام والمسلمين أعداءه ووضع نفسه في مواجهة هذا العدو الجديد ووحد صفوفه ضد هذا العدو المشترك. لقد دخل في صراع مع العثمانيين لعدة قرون ومحى مئات السنين من الحضارة الأندلسية من التاريخ، ليضع بصمته على تاريخ سياسي دموي ووحشي للغاية منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم.

سجن أبو غريب ومراكز التعذيب والرابطة بين الإسلام والإرهاب كانت جزءا من مخطط واحد

لقد كانت الحروب الصليبية واحتلال العراق شيئا واحدا، وكذلك كان تدميرهم للدولة العثمانية وتقسيمهم لأراضيها. لقد كان الإسلام عدوهم لقرون، فهذا لم يتغير. لقد روجوا لكل هجوم بحجج مختلفة، لكن روحهم الأصلية لم تتغير أبدا.

لقد حركتهم الدوافع ذاتها عندما عذبوا العراقيين الأبرياء في سجن أبو غريب وأنشأوا مراكز التعذيب في مطار بغرام ورسموا صورة "الإرهابيين المسلمين" في معتقل غوانتنامو ونشرت طائرات السي آي ايه تجارة الأسرى حول العالم وأسسوا مراكز التعذيب السرية في 35 دولة وحكموا على العالم بتصديق أكذوبة "الإسلام والإرهاب".

إن هذا هو السبب الكامن وراء تحرك من عذبوا الأبرياء في تلك المراكز ومن شاركوا في الحملات الصليبية بالدوافع ذاتها، فجميعهم لديهم روح صليبية وهدف أساسي مبني على "محاربة الإسلام". وللأسف فإن هناك بعض الأنظمة والحكومات بالدول الإسلامية التي شاركت في هذا التاريخ الدامي أملا في إرضاء الغرب، فلم يستحوا من أن يكونوا شركائه ليطلقوا النار على تاريخهم وشعوبهم.

انهيار الاتحاد السوفيتي عدو القرن العشرين

لقد أصبح الغرب هو الحاكم الوحيد!

كان الاتحاد السوفيتي هو عدو القرن العشرين، فكانت الشيوعية هي عدوتهم، وقد راح ضحية هذه الحرب عشرات الدول من روسيا إلى الصين ومن أوروبا الشرقية إلى فيتنام ومن كوبا إلى أفريقيا وجنوب شرق آسيا كما قتل ملايين البشر ودمرت الدول والمدن، فكان الغرب "يوقظ العالم لمواجهة تهديد خطير" ويقيم إمبراطورتيه الدولية تحت مسمى الحرب على "العدو" الجديد.

لقد انتصر الغرب في الحرب الباردة ومزق الاتحاد السوفيتي، فلم يعد هناك أي عائق أمام تأسيسه النظام الدولي أحادي الجانب. لقد كان الغرب عازما على بدء "القرن الأمريكي الجديد" ليكون الغرب بقيادة أمريكا هو حاكم العالم بلا منازع، ولتتحول سائر دول العالم إلى رهائن بل وأسرى لدى الغرب!

لو عجز الغرب عن اختلاق الأعداء لتصارع داخليا

بدأوا فورا "الحرب على الإسلام"

لكن الغرب عجز عن استغلال هذه الإمكانيات عقب الحرب الباردة، فقد كان عاجزا عن فعل ذلك في غياب عدوه، وفشل في بناء أي شيء "دون أن يختلق عدوه"؛ إذ لم يكن معتادا على ذلك، ولو عجز عن اختلاق العدو كان سيتصارع داخليا، كان يعلم ذلك جيدا.

غير أنه لم يبق لا الاتحاد السوفيتي ولا أي قوة قادرة على تحدي الغرب سياسيا واقتصاديا. لكن العالم الإسلامي كان يغلي، وكان هناك موجة معارضة وصعود سياسي قوي للغاية، فكانت صحوة جديدة هي الأولى من نوعها منذ سقوط الدولة العثمانية.

لهذا السبب تحديدا أشعلوا بعد الحرب الباردة مباشرة فتيل نقاشات خطيرة حول "تهديد الإسلام" و"الإرهاب الإسلامي" و"مكافحة التطرف الإسلامي"، فكانوا يديرون هذا المخطط الذهني أولا بين الفئة المثقفة ثم عبر وسائل الإعلام وأخيرا من خلال المثقفين من المسلمين، وسرعان ما حولوا هذا المخطط إلى مشروع بواسطة "الأوساط الأمنية" وإلى صراع بواسطة الوحدات العسكرية.

إيقاف صحوة الحضارة الإسلامية!

لقد أوصلوا الأمر إلى إعلان الإسلام والمسلمين تهديدا لبقية العالم، بل وكان زعماء الدول الإسلامية، بمن فيهم تركيا، يعرضون على الغرب "التعاون لمكافحة المتطرفين من الإسلاميين"، ذلك أن هذا الأمر صار طريقا للوصول للسلطة.

إلا أن الحرب التي أعلونها لم تكن ما أطلقوا عليه "الحرب على الإسلام الأصولي"، بل كان أمرا متعلقا بشعور الغرب بإمكانية حدوث صحوة حضارية قادرة على مواجهته وحاجة الغرب لإعلان عدو جديد لنفسه.

لقد كانت فكرة إعادة رسم ملامح العالم من خلال مبدأ الأعداء هذا مبنية على أن يضمن الغرب كونه الحاكم الأوحد للعالم لقرن آخر. وللأسف لم يكن المثقفون والأوساط السياسية في العالم الإسلامية تعي هذا الأمر، بل إنهم حتى اليوم غير واعين له بشكل كامل.

"هدمنا الاتحاد السوفيتي وسننتصر على الإسلام"

لقد أصبح هناك أسرى لهذه الحملة الدولية بمن فيها دول كروسيا والصين وإن كانت مواقفها تظهر تحديا لأمريكا وأوروبا، فتحركت هذه الدول بأفكار أمريكا وأوروبا واتخذت لنفسها مواقع عند البوابات الشرقية والشمالية للعالم الإسلامي.

لقد وصل الوضع لدرجة أن العالم الإسلامي صار محاصرا تماما بعدما هُيئ بالكامل للتقاتل داخليا. ولقد استغلوا اختلاف المذاهب والهويات لتأجيج هذا الصراع الداخلي. كما كان جميع زعماء أمريكا وأوروبا يطلقون تصريحات واضحة مفادها "سننتصر على الإسلام كما دمرنا السوفييت".

الغرب خطط لمذابح المسلمين

لكنه خسر "الحرب على الإسلام"

لقد شهدنا الكثير من النماذج الرهيبة خلال الفترة فيما بين عامي 1990-2015، فاحتلوا الدول وأشعلوا فتيل الحروب الأهلية وأسقطوا القادة السياسيين ونفذوا نوعا من أنواع المذابح الذهنية والثقافية وافتعلوا الأزمات الاقتصادية وشنوا تدخلات لم يكن لدى أي دولة القدرة على تحمل عواقبها.

لكن "حرب الغرب على الإسلام" فشلت، ربما تكون أفضت لدمار كبير، لكنها فشلت فشلا ذريعا، بل وأفضى الهجوم إلى ردود أفعل مجتمعية أقوى، كما مهدت موجات الصدمة لصحوة وعي استثنائية.

لقد بدأ منذ عام 2016 انهيار ما سعى الغرب للوصول إليه بإعلان الإسلام "عدوه الجديد، فلم يبق لديه مشروع "القرن الأمريكي الجديد" ولا حسابات النظام العالمي أحادي الجانب. لقد كانت العاصفة تسير عكس اتجاهها، فكان الغرب يتقهقر ويلمع نجم سائر دول العالم، فكنا نشاهد مسرحيات مبتذلة على الساحة الأمريكية وانتشار موجات يائسة حول المستقبل من العواصم الأوروبية.

مخطط الحفاظ على وحدة الغرب بالدخول في صراع مع روسيا والصين

أم أنهم سيتصارعون داخليا؟

لقد انهارت تماما قدرة أمريكا وأوروبا على تأسيس نظام دولي والسيطرة على العالم من جانب واحد. والآن لدينا وضعية جديدة: ستسعى أمريكا وأوروبا، أي المحور الأطلسي، من الآن فصاعدا لافتعال الأعداء ليس من أجل السيطرة على العالم كله بل من كيلا يخسروا ما لديهم.

إن هذا هو السبب الرئيس لاستهداف أمريكا للصين الصاعدة وروسيا منافستها التاريخية. فالعالم يضيق عليهم، وهو ما يشعرهم بالضغط الشديد، لذلك يحاولون المحافظة على وحدة الغرب والحيلولة دون نشوب صراع داخلي بين دوله عن طريق الدخول في صراع ضد روسيا والصين، فهذا هو المشروع المستقبلي الوحيد الذي تحمله أمريكا حاليا.

بيد أن محاولات "افتعال الأعداء" ليست قاصرة على روسيا والصين، بل إن الغرب مستعد لتنفيذها ضد كل الدول والقوى الصاعدة التي لها تاريخ إمبراطوري إن رفضت التعاون مع الغرب، وتعتبر تركيا هي أبرز مثال على ذلك.

تركيا: صحوة عقلية استثنائية

لم يعد الغرب قادرا على تقييدها

ذلك أن تركيا أطلقت أبرز صحوة عقلية استثنائية جديدة على المستويين السياسي والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. ورغم أنها جزء من كل المؤسسات الغربية فقد رسمت لنفسها طريقا، فلم تعد تلك المؤسسات قادرة على تقييدها.

لقد خسرت الولايات المتحدة وأوروبا القدرة والإمكانية التي تمكنها من تلقين تركيا شيئا والوصاية عليها وجعلها تابعة لها وجزءا من "جبهتها" لمواجهة القوى الصاعدة؛ إذ أضحت تركيا من الآن فصاعدا دولة مفاجأة بفضل عقليتها وجيناتها السياسية السلجوقية والعثمانية وخبرتها التاريخية السياسية بالتعامل مع الغرب منذ مئات السنين والمساحة التي زودتها بها الخريطة الجديدة للعالم.

لذلك بدأوا تنفيذ مخطط "إيقاف الحياة بالداخل وتركيا بالخارج"

لقد كان هذا هو السبب الأساسي للتدخلات الخارجية كمحاولة الانقلاب الفاشلة 15 تموز، وكان أيضا سبب كل المحاولات الرامية لتصفية الرئيس أردوغان، الذي قاد تركيا للسير في هذا الطريق، وزعامته وعقله السياسي والكوادر المحيطة به، كما كان سبب حصار تركيا من ناحية العراق وسوريا والبحر المتوسط وبحر إيجة.

لقد كان هذا كذلك هو سبب تأسيسهم "جبهة مشتركة" داخل تركيا تتكون من أحزاب سياسية وتنظيمات إرهابية، وهو سبب فرضهم استخدام لغة سياسية هدامة ومدمرة لتركيا وسبب كل محاولاتهم القائمة على "إيقاف الحياة بالداخل وتركيا بالخارج".

وأخيرا أقول إن هذا هو السبب الوحيد للحملات والهجمات الرامية لتشويه صورة أردوغان وتركيا والتي تتصاعد في أمريكا وأوروبا ويروجون لها داخل تركيا.

سيفتعل الغرب عداء تركيا أكثر من عداء روسيا والصين

لكنه سيخسر هذه المعركة

لقد فشلت أنظمة الدول الإسلامية في التعاطي مع مخططات "افتعال العداء مع الإسلام والمسلمين" منذ سنة 1990، وهو الخطأ، بل وقل إن شئت الخيانة، الذي ترتكبه المعارضة التركية اليوم في التعاطي مع مخطط "افتعال العداء مع أردوغان وتركيا".

سيفتعلون العداء أولا مع روسيا والصين ثم سيحين لدور على تركيا، فهم بحاجة إلى هكذا عدو. وهذه المرة وجهوا لتركيا هذه الأفكار السياسية التي يحملونها ويطبقونها منذ قرون. ذلك أن تركيا لا تقتصر على نفسها، بل إنها المتحدث باسم منطقة ديناميكية واسعة تمتد من سواحل الأطلسي إلى سواحل الهادئ. فتركيا تقود صحوة جديدة بقوة ستزلزل النظام العالمي بشدة وستقيد حركة الغرب في مساحات واسعة.

نعم، نعلم أنهم سيستهدفون تركيا من الداخل والخارج، لكنها ستتغلب على كل ذلك. فإذا كان الغرب خسر حربه على الإسلام فسيخسر حربه على تركيا، وهو ما بدأنا نلاحظه حتى منذ هذه اللحظة.

+

خبر عاجل

#title#